صفرو تحتضن مشروعاً وطنياً استراتيجياً لتخزين الكهرباء.. المكتب الوطني يقود محطة المنزل بقدرة 362 ميغاواط وتمويل من البنك الإسلامي للتنمية

تدخل منطقة المنزل بإقليم صفرو مرحلة جديدة من مشروع طاقي ضخم يتجاوز في أبعاده حدود الإقليم والجهة، بعدما انتقل مشروع محطة تحويل الطاقة بالضخ إلى مرحلة طلب العروض الدولية لإنجاز منشأة بقدرة تصل إلى 362 ميغاواط، في واحد من أبرز مشاريع تخزين الكهرباء التي يعول عليها المغرب لمواكبة التوسع المتسارع في الطاقات المتجددة وتعزيز استقرار الشبكة الوطنية.
والمشروع، خلافاً لما قد يوحي به وصفه كمحطة كهربائية جديدة، لا يقوم أساساً على إنتاج الكهرباء من مصدر تقليدي، وإنما على تخزين الطاقة وإعادة ضخها عند الحاجة عبر منظومة مائية تضم خزانات على مستويات مختلفة. فعندما يكون الطلب على الكهرباء منخفضاً، تستعمل الطاقة المتاحة لضخ المياه إلى الخزان العلوي، وعندما يرتفع الطلب يتم تحرير المياه لتشغيل التوربينات وإنتاج الكهرباء بسرعة، بما يسمح بتحقيق توازن أفضل بين الإنتاج والاستهلاك.
ويقف وراء المشروع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، قطاع الكهرباء، باعتباره صاحب المشروع والجهة المكلفة بتنفيذه والإشراف عليه، في إطار برنامجه الوطني لتطوير منشآت إنتاج الكهرباء والتخزين ودعم مرونة الشبكة. وتؤكد وثائق طلب العروض الرسمية أن المشروع يوجد على بعد نحو 35 كيلومتراً جنوب شرق مدينة صفرو، وأن مدة الإنجاز المحددة في العقد تبلغ 48 شهراً.
أما التمويل، فيرتبط أساساً بالبنك الإسلامي للتنمية، الذي وفر للمشروع تمويلاً يصل إلى 432.52 مليون يورو في صيغة بيع لأجل، إضافة إلى 9.3 ملايين يورو في شكل قرض عادي، فيما خصص جزء من التمويل كذلك لخدمات المساعدة التقنية المرتبطة بالأشغال. وتكشف هذه الأرقام أن محطة المنزل ليست مجرد ورش محلي، وإنما مشروع بنية تحتية طاقية ذي بعد وطني ودولي.
ثلاثة ائتلافات دولية تتنافس على المشروع
وقبل الوصول إلى مرحلة طلب العروض الحالية، مر المشروع بعملية تأهيل مسبق شاركت فيها ستة ائتلافات، انتهت باختيار ثلاثة تجمعات دولية مؤهلة لتقديم عروضها التقنية والمالية.
ويتعلق الأمر أولاً بائتلاف يجمع شركة الصين الدولية للمياه والكهرباء، وشركة الاستشارات الهندسية للنهر الأصفر، وشركة هاربين للآلات الكهربائية، وشركة هاربين الدولية للكهرباء، إلى جانب شركة جت كونتراكتورز المغربية.
أما الائتلاف الثاني فيضم سينوهيدرو الصينية وأندريتز هايدرو، بينما يجمع الائتلاف الثالث بين ويبيلد الإيطالية ودونغفانغ إلكتريك الدولية الصينية. وكانت هذه التجمعات الثلاثة قد حصلت على التأهيل المسبق في يناير 2025، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة العروض التفصيلية.
وتكشف تركيبة المتنافسين عن حجم المشروع، إذ دخلت شركات صينية وأوروبية ومغربية ذات خبرة في منشآت الطاقة الكهرومائية ومحطات التخزين بالضخ في سباق للحصول على صفقة إنجاز محطة المنزل، التي ستنفذ وفق عقد شامل يتضمن الدراسات التنفيذية وتوريد المعدات والأشغال والتركيب ووضع المنشأة في الخدمة.
مشروع صفرو جزء من خطة أكبر للأمن الطاقي
ولا يمكن قراءة محطة المنزل بمعزل عن التحول الذي يعرفه النظام الكهربائي المغربي. فقد أقر مجلس إدارة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب برنامجاً استثمارياً للفترة بين 2026 و2030 بقيمة إجمالية تبلغ 177 مليار درهم لقطاع الكهرباء، مع تخصيص 104 مليارات درهم لتطوير قدرات إنتاج الكهرباء المتجددة، وإضافة 11.6 جيغاواط من القدرات المتجددة، إلى جانب 2.6 جيغاواط من قدرات التخزين.
وفي هذا السياق، تظهر محطة المنزل كإحدى القطع الأساسية في منظومة التخزين الجديدة، إلى جانب مشاريع أخرى، إذ يتضمن البرنامج أيضاً أنظمة لتخزين الكهرباء بواسطة البطاريات بسعة إجمالية تبلغ 2230 ميغاواط ساعة، فضلاً عن محطة المنزل بقدرة تقارب 360 ميغاواط وبرنامج لتعزيز مرونة الشبكة الكهربائية.
وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية خاصة مع ارتفاع حصة الطاقات المتجددة في المنظومة الكهربائية، لأن إنتاج الشمس والرياح لا يكون ثابتاً طوال اليوم، ما يجعل امتلاك منشآت قادرة على تخزين الطاقة ثم إعادتها إلى الشبكة عند ارتفاع الطلب عاملاً أساسياً في الحفاظ على استقرار الشبكة.
من صفرو إلى شبكة الكهرباء الوطنية
وبذلك، فإن الرهان الحقيقي لمشروع المنزل لا يتعلق فقط بإنجاز منشأة صناعية في تراب إقليم صفرو، وإنما بربط المنطقة بمشروع وطني كبير لإعادة تشكيل طريقة تدبير الكهرباء في المغرب.
فالمحطة ستوفر قدرة تخزينية مرنة يمكن استغلالها خلال فترات ارتفاع الاستهلاك، كما ستساعد على استيعاب المزيد من الطاقة المنتجة من المصادر المتجددة، بما يقلل الضغط على الشبكة ويسمح باستعمال الكهرباء المتاحة في الأوقات المناسبة بدل فقدان جزء منها عندما يتجاوز الإنتاج الطلب.
ويأتي المشروع ضمن سلسلة محطات التخزين بالضخ التي طورها أو يعمل المكتب الوطني على تطويرها، إلى جانب محطة أفورار بقدرة 464 ميغاواط ومحطة عبد المومن بقدرة 350 ميغاواط، فضلاً عن مشروع إيفحصة بقدرة 300 ميغاواط قيد التطوير. وبذلك، يتجه المغرب إلى بناء منظومة تخزين أكثر اتساعاً لمواكبة طموحه في رفع مساهمة الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء.
العقد لم يحسم بعد.. والمرحلة المقبلة حاسمة
ورغم تقدم المشروع إلى مرحلة طلب العروض الدولية، فإن المعطيات الرسمية المتاحة لا تشير بعد إلى اختيار الشركة أو الائتلاف الفائز بالصفقة النهائية. والمنافسة ما تزال مفتوحة أمام الائتلافات الثلاثة التي سبق تأهيلها، بينما حدد المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب حالياً يوم 28 أكتوبر 2026 موعداً نهائياً لتقديم العروض، مع ضمانة مؤقتة تبلغ 45 مليون درهم.
وهكذا، يتحول مشروع المنزل من فكرة مدرجة ضمن برامج الطاقة إلى ورش مؤسساتي ومالي وتقني دخل مرحلة التنفيذ الفعلي، فيما تترقب صفرو والجهة معرفة المتعهد الذي سيتولى إنجاز واحدة من أكبر منشآت تخزين الكهرباء المرتقبة بالمغرب.
وبالنسبة إلى إقليم صفرو، فإن أهمية المشروع لا تختزل في قيمة المنشأة وقدرتها التقنية، وإنما في موقع المنطقة داخل خريطة جديدة للاستثمارات الطاقية الوطنية، حيث أصبحت منشآت التخزين جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الكهربائي والتحول نحو الطاقات المتجددة.






