سياسة

ملف الأحد: الصحراء المغربية.. الدبلوماسية الملكية تحاصر مناورات الجزائر وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية إنهاء نزاع عمره نصف قرن

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

من الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء إلى القرار الأممي رقم 2797، يقترب الملف من مرحلة مفصلية تفرض الانتقال من تدبير النزاع إلى حسمه سياسيا، في ظل تعثر المفاوضات واستمرار الجزائر في دعم جبهة البوليساريو، بينما تواصل المملكة تعزيز سيادتها ومكتسباتها الدبلوماسية والتنموية، وتبقى معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف جرحا إنسانيا مفتوحا يستدعي حلا عاجلا يضمن لهم حرية الاختيار والعودة إلى وطنهم الأم.

لم يعد ملف الصحراء المغربية مجرد نزاع إقليمي تقليدي تتقاذفه المبادرات الدبلوماسية والقرارات الأممية، بل أصبح عنوانا لتحول عميق في موازين العلاقات الدولية، بعدما نجحت المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، في نقل القضية من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة البحث عن تسوية سياسية نهائية تستند إلى الواقعية والتوافق، في ظل تنامي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء واتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، مقابل استمرار الجزائر في تبني مواقف تعرقل، من وجهة النظر المغربية، فرص الوصول إلى حل ينهي واحدة من أطول الأزمات في القارة الإفريقية.

وتكتسي التطورات الأخيرة أهمية استثنائية، بعدما كشف التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، عن تفاصيل المفاوضات التي استؤنفت خلال الأشهر الأولى من السنة الجارية، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، وبإشراف الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، حيث انتقلت النقاشات إلى بحث ترتيبات مؤسساتية وأمنية وسياسية، شملت إمكانية إحداث مجلس انتقالي وإعداد مشروع أولي لاتفاق إطار، فضلا عن مناقشة تقاسم الموارد والمصالحة ونزع السلاح وإعادة الإدماج.

وتكشف هذه المعطيات عن دخول الملف مرحلة دقيقة، تفرض على الأطراف المعنية تقديم إجابات واضحة بشأن مستقبل المفاوضات، خصوصا أن المغرب قدم تصورا أكثر تفصيلا لمبادرة الحكم الذاتي، في وقت لا تزال فيه الخلافات بشأن السيادة وتقرير المصير تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى استمرار المسار السياسي دون إرادة حقيقية لإنهاء النزاع، ومدى استعداد الجزائر لتحمل مسؤوليتها السياسية في التوصل إلى تسوية تضع حدا لمعاناة آلاف الأسر الصحراوية التي وجدت نفسها عالقة في مخيمات تندوف لعقود طويلة.

الدبلوماسية الملكية.. من تدبير النزاع إلى صناعة التحول الدولي

شكلت الدبلوماسية الملكية خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز عناصر القوة الاستراتيجية للمغرب، بعدما اعتمد الملك محمد السادس مقاربة متكاملة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الثقة مع القوى الكبرى، وربط المواقف السياسية بالتعاون الاقتصادي والاستثماري، بما جعل قضية الصحراء المغربية تحظى بمكانة متقدمة في أجندة العلاقات الثنائية للمملكة مع عدد من الدول المؤثرة.

وقد تجسد هذا التحول في الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في دجنبر 2020، ثم في الموقف الإسباني الصادر سنة 2022، الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع، وصولا إلى التحول الفرنسي التاريخي سنة 2024، حين أعلنت باريس دعمها الصريح لسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مؤكدة أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، وهو موقف صادر عن عضو دائم بمجلس الأمن، ويحمل أبعادا سياسية واستراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين.

ولم تتوقف هذه الدينامية عند حدود أوروبا وأمريكا الشمالية، بل امتدت إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، حيث أعلنت دول سحب اعترافها بالكيان الانفصالي، فيما عبرت دول أخرى عن دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية للتوصل إلى حل سياسي. وشكلت مواقف دول مثل غانا ومالي، إلى جانب مواقف دول أخرى، مؤشرات إضافية على التحولات التي يعرفها الموقف الدولي من النزاع، في وقت تواصل فيه المملكة توسيع شبكة علاقاتها وتعزيز حضورها داخل المؤسسات الإقليمية والدولية.

وتبرز قوة الدبلوماسية الملكية في كونها لم تكتف بتحقيق مواقف سياسية مؤيدة، بل عملت على تحويل الدعم الدولي إلى شراكات عملية ومشاريع اقتصادية وتنموية بالأقاليم الجنوبية، بما يعزز الارتباط بين السيادة والتنمية، ويجعل من الصحراء المغربية فضاء استراتيجيا للاستثمار والتبادل التجاري والربط القاري، خصوصا من خلال المشاريع الكبرى في مجالات الموانئ والطرق والطاقات المتجددة والبنيات التحتية.

القرار 2797.. منعطف أممي يفرض الانتقال إلى الحل النهائي

شكل اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025 محطة بارزة في المسار الأممي، بعدما دعا المجلس إلى إجراء مفاوضات على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، بهدف التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول بصورة متبادلة، مع الإقرار بأن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق.

وقد حظي القرار بتأييد 11 عضوا، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت، وهو ما عكس حجم التحولات داخل مجلس الأمن، وأبرز المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها المبادرة المغربية في النقاشات المتعلقة بمستقبل الصحراء.

ومع ذلك، فإن القراءة الدقيقة للقرار تقتضي التأكيد على أنه لم يحسم بصورة نهائية الوضع القانوني والسياسي للإقليم، ولم يعلن اعتراف مجلس الأمن الجماعي بالسيادة المغربية، بل جعل المقترح المغربي أساسا للمفاوضات، مع التمسك بهدف التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه يوفر تقرير المصير. غير أن هذا التطور يمثل مكسبا سياسيا مهما للمغرب، بالنظر إلى أنه يعزز مركز مبادرته ويمنحها ثقلا أمميا متزايدا.

ويطرح هذا التحول تحديا حقيقيا أمام الجزائر وجبهة البوليساريو، إذ لم يعد ممكنا تجاهل التحولات التي عرفتها المرجعيات السياسية للمفاوضات، كما لم يعد مقبولا الاستمرار في استنزاف الزمن الدبلوماسي دون تقديم تنازلات واقعية تسمح بتجاوز الخلافات، خصوصا أن استمرار النزاع لا يخدم الاستقرار الإقليمي، ويعرقل فرص بناء فضاء مغاربي قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية المشتركة.

الجزائر والبوليساريو.. مسؤولية مباشرة عن استمرار النزاع

تتحمل الجزائر مسؤولية سياسية مباشرة في استمرار النزاع، باعتبارها طرفا رئيسيا في المسار التفاوضي، وبلدا يحتضن مخيمات تندوف ويدعم جبهة البوليساريو سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، وهو ما يجعل أي محاولة لتقديم القضية باعتبارها خلافا بين المغرب وجبهة البوليساريو فقط قراءة لا تعكس كامل أبعاد الملف.

وقد ظلت الجزائر تدافع عن أطروحة الانفصال وتساند جبهة البوليساريو في المحافل الدولية، بينما تؤكد الرباط أن هذا النزاع الإقليمي المفتعل لا يمكن تسويته دون انخراط جزائري مسؤول، باعتبار أن الحل السياسي يتطلب إرادة جميع الأطراف المعنية، وليس مجرد استمرار تبادل المواقف داخل أروقة الأمم المتحدة.

وتتجلى المفارقة في أن الجزائر تشارك في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لكنها لا تزال تتمسك بمواقف تختلف جذريا عن التصور المغربي للحل، وهو ما يجعل نجاح العملية السياسية مرتبطا بمدى استعدادها للانتقال من دعم الأطروحات الانفصالية إلى الانخراط في تسوية واقعية تحترم سيادة الدول وتراعي مصالح شعوب المنطقة.

وفي هذا السياق، فإن توظيف جبهة البوليساريو كأداة للمواجهة السياسية والعسكرية مع المغرب، وفق القراءة المغربية، لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد النزاع وتعميق معاناة السكان، خصوصا في ظل استمرار التوترات العسكرية منخفضة الحدة شرق الجدار الأمني، وما يرافقها من مخاطر على المدنيين والاستقرار الإقليمي.

وقد أشار تقرير الأمين العام إلى استمرار تسجيل حوادث إطلاق النار والضربات العسكرية، كما توقف عند حادث سقوط مقذوفات بالقرب من مدينة السمارة في ماي 2026، الذي أسفر عن إصابة مدني وأضرار مادية، وهو ما يعيد التأكيد على أن استمرار التصعيد العسكري لا يمكن أن يشكل بديلا عن الحل السياسي، وأن المسؤولية تقتضي وقف كل الأعمال التي قد تهدد حياة المدنيين أو تقوض فرص التفاوض.

إن المطلوب اليوم من الجزائر هو اتخاذ قرار سياسي واضح، يضع مصلحة المنطقة فوق الحسابات الجيوسياسية الضيقة، ويسمح بفتح صفحة جديدة في العلاقات المغاربية، بعيدا عن منطق العداء والتنافس، خاصة أن المغرب أكد في أكثر من مناسبة استعداده لبناء علاقات حسن الجوار والتعاون مع الجزائر، على أساس الاحترام المتبادل والوحدة الترابية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

مخيمات تندوف.. مأساة إنسانية وحق المحتجزين في العودة إلى الوطن

لا يمكن تناول ملف الصحراء المغربية دون الوقوف عند البعد الإنساني المرتبط بمخيمات تندوف، التي يعيش فيها لاجئون صحراويون منذ عقود، في وضعية نزوح طويلة الأمد، جعلت أجيالا متعاقبة تولد وتنشأ بعيدا عن وطنها، وسط ظروف اجتماعية واقتصادية وإنسانية تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الدولية.

وتشير المعطيات الإنسانية الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن السكان الصحراويين في المخيمات الخمسة قرب تندوف ما زالوا يعتمدون على المساعدات في مجالات الغذاء والصحة والتعليم والمأوى، في ظل استمرار غياب تسوية سياسية نهائية، وهو ما يجعل إنهاء النزاع ضرورة إنسانية لا تقل أهمية عن أبعاده السياسية والاستراتيجية.

وتبرز هنا ضرورة ضمان حق كل محتجز أو لاجئ في الاختيار الحر لمستقبله، بعيدا عن أي ضغط أو إكراه، مع توفير الظروف المناسبة أمام الراغبين في العودة إلى وطنهم الأم، والانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل المغرب، بما يضمن لهم الكرامة والاستقرار ولم شمل الأسر.

كما أن أي حل سياسي مستقبلي ينبغي أن يتضمن ترتيبات واضحة بشأن العودة الطوعية وإعادة الإدماج، وتوفير ضمانات قانونية واجتماعية تحمي حقوق العائدين، وتتيح لهم الاستفادة من فرص التنمية والخدمات العمومية، في إطار احترام خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية.

ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين المطالب السياسية التي تتبناها قيادة البوليساريو وبين الإرادة الفردية للسكان، إذ لا يجوز افتراض أن جميع المحتجزين يتبنون الموقف السياسي نفسه، كما لا ينبغي تقديم الرغبة في العودة باعتبارها موقفا جماعيا دون معطيات مستقلة تثبت ذلك. غير أن ضمان حرية التنقل والاختيار، وتوفير المعلومات المستقلة عن مختلف الخيارات المتاحة، يظلان مدخلا أساسيا لإنهاء معاناة العائلات التي طال انتظارها.

وتشكل عودة الراغبين من المحتجزين إلى المغرب فرصة لتعزيز المصالحة الوطنية، وتجاوز آثار الانقسام، وبناء مستقبل مشترك يستند إلى المواطنة والحقوق والتنمية، خاصة أن الأقاليم الجنوبية شهدت خلال العقود الأخيرة تحولات كبيرة في البنيات التحتية والخدمات والاستثمارات، بما يفتح آفاقا واسعة أمام الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

الحكم الذاتي.. مشروع مغربي متقدم لحل نزاع مفتعل

يبرز مشروع الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007 باعتباره جوهر المقاربة المغربية لتسوية النزاع، حيث يقوم على منح الأقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية، من خلال مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية، مع الحفاظ على الاختصاصات السيادية للدولة المغربية، بما فيها الدفاع والعلاقات الخارجية والجنسية والعملة.

وقد عملت المملكة، عقب اعتماد القرار الأممي 2797، على تطوير تصور أكثر تفصيلا لهذا المشروع، في خطوة تعكس استعدادها للانتقال من المبادئ العامة إلى مناقشة ترتيبات مؤسساتية دقيقة، تشمل تدبير القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والمالية، وتعزيز المشاركة السياسية للسكان في إدارة شؤونهم.

وتمثل هذه المبادرة، وفق الموقف المغربي، صيغة للتوفيق بين الخصوصيات المحلية والوحدة الوطنية، وتتيح إرساء مؤسسات منتخبة قادرة على الاستجابة لحاجيات السكان، مع ضمان استمرارية الدولة ووحدة مؤسساتها وسيادتها.

وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من كونها تتيح حلا سياسيا قابلا للتنفيذ، بعيدا عن الخيارات التي قد تفضي إلى تقسيم المنطقة أو تعميق الانقسامات، كما توفر إمكانات واسعة لتعزيز التنمية والاستثمار وتحقيق المصالحة بين مختلف مكونات المجتمع الصحراوي.

غير أن نجاح هذا المشروع يظل مرتبطا بوجود إرادة سياسية لدى جميع الأطراف، وبالانخراط في مفاوضات مسؤولة تستند إلى المرجعيات الأممية، بعيدا عن المواقف المسبقة والمناورات التي تعرقل التوصل إلى اتفاق نهائي.

الدبلوماسية الملكية والتنمية.. جبهتان لتعزيز مغربية الصحراء

إلى جانب المكاسب الدبلوماسية، اختار المغرب جعل التنمية الاقتصادية والاجتماعية إحدى الركائز الأساسية لترسيخ سيادته على أقاليمه الجنوبية، من خلال إطلاق مشاريع استراتيجية في مجالات البنيات التحتية والنقل والطاقة والصناعة والصيد البحري والخدمات، بما جعل المنطقة تحتل مكانة متقدمة ضمن الرؤية التنموية للمملكة.

وقد ساهمت المشاريع الكبرى، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والطرق السريعة ومشاريع الطاقات المتجددة، في تعزيز الموقع الاستراتيجي للأقاليم الجنوبية، وتحويلها إلى فضاء واعد للربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين، في إطار المبادرات المغربية الرامية إلى تعزيز التعاون جنوب جنوب.

وتندرج هذه الدينامية ضمن الرؤية الملكية التي تجعل من الأقاليم الجنوبية محورا أساسيا للتنمية القارية، ومجالا لتعزيز المبادلات التجارية والاستثمارية، خصوصا في ظل المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لفائدة دول الساحل، والرامية إلى تمكينها من الولوج إلى المحيط الأطلسي وتعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي.

وقد أثبتت الدبلوماسية الملكية أن القوة التفاوضية لا تستند فقط إلى المواقف السياسية، بل تتعزز كذلك بالمنجزات الاقتصادية والمشاريع الميدانية والشراكات الاستراتيجية، وهو ما جعل المغرب قادرا على تقديم تصور متكامل لمستقبل أقاليمه الجنوبية، يقوم على الاستقرار والتنمية والانفتاح والتعاون الدولي.

أكتوبر 2026.. لحظة حاسمة لإنهاء النزاع

تتجه الأنظار خلال شهر أكتوبر الجاري إلى مجلس الأمن الدولي، الذي يناقش التقرير السنوي للأمين العام ومستقبل بعثة المينورسو، في ظل اقتراب انتهاء ولايتها الحالية في 31 أكتوبر 2026، وهي محطة تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي عرفها المسار السياسي منذ اعتماد القرار 2797.

ويشكل هذا الاستحقاق فرصة أمام المجتمع الدولي لتقييم نتائج الجولات التفاوضية الأخيرة، والوقوف على أسباب استمرار الخلافات، والعمل على توفير الشروط السياسية اللازمة لتحقيق تقدم ملموس نحو حل نهائي، بعيدا عن تمديد الأزمة دون أفق واضح.

كما أن استمرار بعثة المينورسو، في ظل التوترات العسكرية وانعدام الثقة بين الأطراف، يطرح ضرورة تعزيز الجهود الأممية الرامية إلى خفض التصعيد، وحماية المدنيين، وتهيئة الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات بصورة جدية ومسؤولة.

وفي هذا السياق، يتعين على مجلس الأمن أن يواكب التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف، وأن يشجع جميع الأطراف على الانخراط البناء في العملية السياسية، مع التأكيد على أن أي حل مستقبلي ينبغي أن يكون قابلا للتنفيذ، ويحظى بالقبول المتبادل، ويضمن الاستقرار الدائم في المنطقة.

حسم النزاع مسؤولية تاريخية.. والمغرب متمسك بثوابته

إن ما يشهده ملف الصحراء المغربية اليوم من تحولات دبلوماسية وسياسية يؤكد أن المنطقة تقف أمام فرصة تاريخية لإنهاء نزاع استنزف إمكاناتها لعقود، وأن استمرار الأزمة لم يعد يخدم مصالح أي طرف، في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

لقد نجح المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، في تعزيز موقعه الدولي، وتوسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، وترسيخ حضوره التنموي في أقاليمه الجنوبية، وهي مكتسبات تشكل أساسا متينا للانتقال نحو مرحلة جديدة قوامها الحسم السياسي والتوافق المسؤول.

وفي المقابل، فإن استمرار الجزائر في دعم أطروحة الانفصال، وغياب تنازلات سياسية تسمح بتقريب وجهات النظر، يظلان من أبرز العوامل التي تعيق الوصول إلى التسوية، وهو ما يستدعي مراجعة حقيقية للمواقف، وتغليب منطق المصالح المشتركة على الحسابات الإقليمية الضيقة.

إن الدبلوماسية الملكية التي صنعت تحولات بارزة في مواقف القوى الدولية، قادرة على مواصلة الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، من خلال الحوار والشراكات الاستراتيجية والعمل متعدد الأطراف، مع التمسك الثابت بالوحدة الترابية والسيادة الوطنية.

وبينما يواصل المغرب مساره التنموي والدبلوماسي بثقة، فإن الرهان لم يعد يقتصر على كسب مزيد من المواقف الدولية، بل يتجه نحو ترجمة هذا الزخم إلى حل سياسي نهائي ينهي النزاع، ويضع حدا لمعاناة المحتجزين في مخيمات تندوف، ويفتح الباب أمام عودة الراغبين منهم إلى وطنهم الأم، ويؤسس لمرحلة جديدة من المصالحة والاستقرار والتعاون المغاربي.

إن حسم ملف الصحراء المغربية لم يعد مجرد مطلب سياسي مغربي، بل أصبح ضرورة إقليمية وإنسانية واستراتيجية، تفرض على المجتمع الدولي والجزائر وجبهة البوليساريو تحمل مسؤولياتهم التاريخية، والانخراط في تسوية واقعية تضمن الاستقرار وتحفظ كرامة السكان وتضع حدا لنزاع طال أكثر مما ينبغي، في وقت يظل فيه المغرب متمسكا بمبادئه وثوابته، وماضيا في الدفاع عن وحدته الترابية تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى