تحليل إخباري : فاس مكناس تتحرك على إيقاع أوراش كبرى.. خالد آيت طالب يقود مرحلة جديدة لتأهيل الجهة وجذب الاستثمار والاستعداد لمغرب 2030

لم تعد جهة فاس مكناس أمام خيار الانتظار، فالتحولات المتسارعة التي تعرفها المملكة، والاستحقاقات الكبرى التي تستعد لها، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تفرض على المدن والجهات أن تنتقل من منطق التدبير اليومي إلى منطق بناء مجال ترابي قادر على استقبال الاستثمارات، وتحسين جودة الخدمات، وتأهيل البنيات التحتية، ورفع جاذبية المدن والمراكز الصاعدة، وفي قلب هذه الدينامية يبرز والي جهة فاس مكناس وعامل عمالة فاس، خالد آيت طالب، باعتباره أحد الفاعلين الترابيين الذين يتحركون في واجهة هذه المرحلة الجديدة، من خلال مواكبة الأوراش، وتتبع المشاريع، واستيعاب التوجيهات الوطنية، ودفع مختلف المتدخلين نحو تسريع وتيرة الإنجاز.
المشهد الجهوي اليوم لا يمكن اختزاله في مشروع واحد أو قطاع بعينه، فالتحول يجري على أكثر من مستوى؛ استثمارات جديدة تدخل المنطقة، مشاريع صناعية تبحث عن موطئ قدم لها، مدن تخضع لإعادة التأهيل، بنيات رياضية تستعد للاستحقاقات الدولية، طرق ومحاور مرورية يجري تطويرها، ومشاريع تستهدف العالم القروي وتقليص الفوارق المجالية، بالتوازي مع محاولة جعل الأحياء الشعبية جزءا من ورش التأهيل وتحسين ظروف العيش.
وفي هذا السياق، يأتي الاجتماع الأخير للجنة الإشراف والمراقبة التابعة للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بجهة فاس مكناس، المنعقد يوم 30 شتنبر 2026، ليكشف أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد استمرار تقني للمشاريع السابقة، وإنما ترتبط بإعادة تنظيم آليات التنفيذ نفسها، عبر التحول المؤسساتي المرتقب للوكالة وما يرافقه من توجه نحو رفع النجاعة والسرعة وربط التمويل بالنتائج الميدانية.
وتكشف الحصيلة المعروضة أن الوكالة أشرفت، خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، على تنفيذ 126 مشروعا بكلفة تناهز 819.43 مليون درهم، بنسبة إنجاز بلغت 88 في المائة من حيث القيمة المالية، فيما تصل الكلفة الإجمالية للمشاريع التي تشرف عليها في إطار برنامجي التنمية الجهوية إلى حوالي 2.75 مليار درهم. وتشمل هذه الأوراش تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وفك العزلة، والتزويد بالماء الصالح للشرب، والبنيات الأساسية، وغيرها من المشاريع ذات الارتباط المباشر بالحياة اليومية للسكان.
خالد آيت طالب.. إدارة ترابية تتحرك خارج منطق المكاتب
ما يميز المرحلة الحالية هو الحضور الميداني المتزايد للإدارة الترابية، وهو ما يظهر في عدد من الأوراش التي تعرفها فاس ومدن الجهة، حيث لم يعد الرهان منصبا فقط على إطلاق المشاريع، وإنما على مواكبة تنفيذها وحل الإشكالات التي يمكن أن تعترضها، والتنسيق بين مختلف المتدخلين.
وفي هذا السياق، يبرز خالد آيت طالب في واجهة المشهد الترابي بجهة فاس مكناس، في مرحلة تحتاج فيها الجهة إلى إدارة قادرة على مواكبة التحولات الكبرى، واستيعاب حجم الأوراش المنتظرة، والتوفيق بين الاستحقاقات الوطنية والخصوصيات المحلية.
ومنذ توليه مسؤولية الجهة، ارتبط اسمه بحضور ميداني في عدد من الملفات، خصوصا تلك التي تهم تأهيل مدينة فاس، المدينة العتيقة، البنيات الطرقية، المشاريع الكبرى والاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة. وقد شكلت زياراته الميدانية، بما فيها الزيارات التي شملت المدينة العتيقة، مؤشرا على محاولة تقريب الإدارة من التفاصيل اليومية للمشاريع والوقوف على الإكراهات التي تواجه التجار والمهنيين والساكنة.
والأهم أن المرحلة التي تقودها الإدارة الترابية اليوم تتزامن مع انتقال فاس مكناس إلى مستوى جديد من المنافسة على الاستثمار، بعدما أصبحت الجهة مطالبة بإثبات قدرتها على استقطاب مشاريع صناعية وخدماتية وتكنولوجية وسياحية قادرة على خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي.
الاستثمار.. الجهة تبحث عن مكانها في الخريطة الجديدة
المؤشرات المتوفرة تؤكد أن جهة فاس مكناس بدأت تتحول إلى مجال أكثر جاذبية للاستثمار. فقد بلغت قيمة المشاريع الاستثمارية المصادق عليها بالجهة 16.7 مليار درهم إلى غاية متم شتنبر 2025، في مؤشر يعكس حجم الإمكانات الاقتصادية التي أصبحت تتوفر عليها الجهة، ودور المركز الجهوي للاستثمار في مواكبة المستثمرين وتطوير مناخ الأعمال.
لكن الأهم من الرقم هو نوعية المشاريع التي بدأت تجد طريقها إلى الجهة.
ففي دجنبر 2025، أعطيت بمدينة فاس انطلاقة أشغال مشروع «أيوين للنسيج»، وهو مشروع استثماري بقيمة 2.3 مليار درهم موزعة بين وحدتين صناعيتين في فاس والصخيرات، مع توقع خلق أكثر من 2000 منصب شغل مباشر خلال المرحلة الأولى. وحضر انطلاقة المشروع والي الجهة خالد آيت طالب إلى جانب وزير الاستثمار ووزير الصناعة والتجارة، بما يعكس موقع فاس في الخريطة الصناعية الجديدة للمملكة.
هذه المعطيات تفرض قراءة مختلفة للجهة؛ ففاس لم تعد مطالبة فقط بالحفاظ على موقعها كعاصمة تاريخية وثقافية للمملكة، وإنما أصبحت مطالبة كذلك ببناء اقتصاد حديث قادر على خلق فرص العمل واستقطاب الاستثمارات الوطنية والدولية.
وهنا تظهر أهمية الدور الترابي لخالد آيت طالب، ليس باعتباره الجهة الوحيدة صاحبة القرار في الاستثمار، وإنما باعتباره مسؤولا ترابيا مطالبا بتوفير شروط التنسيق والمواكبة وحل الإشكالات التي قد تعرقل المشاريع، وضمان انخراط مختلف الإدارات والمؤسسات في استقبال المستثمرين وتسهيل إنجاز المشاريع.
شركات ومشاريع جديدة.. فاس تبحث عن اقتصاد مختلف
تتوفر الجهة حاليا على مشاريع مهيكلة في قطاعات متعددة، من بينها منصة فاس شور التي تبلغ كلفتها المعلنة 1.2 مليار درهم، وتطوير مطار فاس سايس بكلفة تقدر بـ479 مليون درهم، فضلا عن مشاريع أخرى مرتبطة بالمناطق الصناعية والأنشطة الاقتصادية.
كما يعمل المركز الجهوي للاستثمار على فتح المجال أمام مشاريع جديدة في قطاعات الصناعة والسياحة والترفيه، وأطلق خلال 2026 طلبات لإبداء الاهتمام بخصوص مشاريع استثمارية صناعية في تازة، ومشاريع سياحية وترفيهية، بما يؤكد أن الاستثمار لم يعد محصورا في مدينة فاس وحدها، وإنما أصبح مرتبطا بإعادة توزيع النشاط الاقتصادي على مختلف أقاليم الجهة.
وهذه النقطة تحديدا مهمة في تقييم المرحلة المقبلة؛ لأن نجاح فاس مكناس لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي تصل إلى العاصمة الجهوية، وإنما بقدرة الأقاليم التسعة على الاستفادة من الدينامية الاقتصادية، من تازة إلى تاونات، ومن صفرو وبولمان إلى مكناس وإفران والحاجب ومولاي يعقوب.
والجهة تمتلك بالفعل مشاريع موزعة على هذه المجالات، بينها مناطق للأنشطة الاقتصادية، ومشاريع للماء والكهرباء والطرق، ومشاريع لفك العزلة عن العالم القروي. وتظهر لوائح المشاريع الجهوية، مثلا، أوراشا لتأهيل طرق، وتوسيع شبكات الكهرباء، وتزويد دواوير بالماء الصالح للشرب.
كأس العالم 2030.. فاس أمام امتحان دولي
الاستعداد لكأس العالم 2030 ليس ملفا رياضيا فقط، بل ورش حضري واقتصادي وسياحي وأمني وخدماتي شامل، وفاس، باعتبارها إحدى المدن المغربية المعنية بهذا الاستحقاق، مطالبة بأن تكون في مستوى الحدث.
ومن هنا تأتي أهمية تسريع تأهيل الطرق والمحاور الرئيسية، وتجديد عدد من الفضاءات، وتحسين مداخل المدينة، والاهتمام بالمرافق السياحية والثقافية، وتأهيل المدينة العتيقة، وتعزيز جاذبية المجال الحضري.
كما أن المشروع الرياضي المرتبط بمكناس يؤكد أن الجهة كلها معنية بالاستعداد للمواعيد الكبرى. فقد صادق مجلس جهة فاس مكناس في يونيو 2026 على اتفاقية لإنجاز الملعب الكبير بمكناس بغلاف مالي إجمالي يقارب 600 مليون درهم، بمساهمات من عدة شركاء، ضمن ورش تأهيل البنية الرياضية بالجهة.
وبذلك، فإن الاستعداد لمغرب 2030 لا ينبغي أن يختزل في الملاعب، بل يجب أن يمتد إلى الطرق، والنقل، والفنادق، والمطارات، والفضاءات العمومية، والنظافة، والإنارة، والرقمنة، وجودة الخدمات، وهو ما يفسر أهمية التنسيق الترابي الذي أصبح مطلوبا من والي الجهة ومختلف المؤسسات.
تأهيل المدن.. فاس ومكناس والمراكز الصاعدة في قلب التحول
التحول الذي تشهده جهة فاس مكناس لا يتوقف عند الاستثمارات الكبرى، وإنما يمتد إلى المدن والمراكز الصاعدة.
فخلال دورة يوليوز 2026، صادق مجلس الجهة على اتفاقيات شراكة مرتبطة بالتنمية الترابية والبنيات التحتية والثقافة والتأهيل الحضري، إضافة إلى تأهيل المراكز الصاعدة بإقليم إفران، وبناء وتجهيز مراكز للإغاثة تابعة للوقاية المدنية بمختلف عمالات وأقاليم الجهة.
وهذا النوع من المشاريع يكتسي أهمية خاصة لأنه يربط التنمية بالعدالة المجالية، ويمنع تركيز الاستثمارات في المدن الكبرى فقط.
فالتحدي الحقيقي أمام الجهة هو أن يشعر المواطن في المركز الحضري والقرية والدائرة البعيدة بأن التنمية تصل إليه، وأن الطريق والماء والإنارة والنقل والمرافق الصحية والتعليمية والفضاءات العمومية ليست امتيازات مرتبطة بالموقع الجغرافي.
الأحياء الشعبية.. التنمية التي تصل إلى المواطن
إذا كانت المشاريع الكبرى ضرورية لتحريك الاقتصاد، فإن نجاح أي نموذج تنموي سيظل ناقصا إذا لم ينعكس على ظروف العيش داخل الأحياء الشعبية.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إعطاء التأهيل الحضري والاجتماعي للأحياء الشعبية مكانة أكبر، من خلال تحسين الطرق والأزقة، والإنارة، والمساحات الخضراء، والمرافق الرياضية والثقافية، وتحسين شبكات الماء والتطهير، ومعالجة النقاط السوداء، وتوفير فضاءات تستجيب لحاجيات الأطفال والشباب.
وهنا أيضا تبرز أهمية العمل الميداني للإدارة الترابية، لأن مشاريع التأهيل لا تنجح فقط بالاعتمادات المالية، وإنما تحتاج إلى تتبع دقيق وتنسيق بين الجماعات والسلطات والمؤسسات العمومية والفاعلين الاجتماعيين.
وفاس، على وجه الخصوص، تحتاج إلى أن يكون ورش تأهيل الأحياء الشعبية موازيا لورش تأهيل الواجهات الكبرى للمدينة. فلا يمكن أن تكون المدينة في مستوى الاستحقاقات الدولية إذا ظلت بعض الأحياء تعاني من اختلالات في الطرق أو الإنارة أو المرافق الأساسية.
والرهان، في النهاية، هو جعل المواطن المستفيد الأول من التحول، وليس فقط المستثمر أو الزائر أو السائح.
الوكالة الجهوية.. من تنفيذ المشاريع إلى مؤسسة أكثر نجاعة
في هذا السياق يأتي التحول المؤسساتي المرتقب للوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، والذي ناقشته لجنة الإشراف والمراقبة في اجتماع 30 شتنبر 2026.
فالوكالة توجد أمام مرحلة جديدة تتطلب رفع مستوى النجاعة وتسريع التنفيذ وتحسين الحكامة وربط البرامج بالنتائج. والحصيلة الحالية، التي تشمل 126 مشروعا بقيمة 819.43 مليون درهم ونسبة إنجاز تبلغ 88 في المائة، تؤكد أن المؤسسة أصبحت فاعلا أساسيا في تنزيل عدد من البرامج الجهوية.
لكن الرهان المقبل أكبر، لأن الجهة تدخل مرحلة تتطلب تنفيذ برامج أكثر تعقيدا، مرتبطة بالتأهيل الحضري، والاستثمار، والماء، وفك العزلة، والبنيات الرياضية، والنقل، والاستعداد للمواعيد الدولية.
ومن هنا فإن الانتقال المؤسساتي يجب ألا يكون مجرد تغيير في الشكل القانوني، بل فرصة لإحداث نقلة في طريقة تدبير المشاريع، وتسريع المساطر، وتحسين التتبع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان وصول المشاريع إلى المواطن في الآجال المحددة.
منطق الجهة المتحركة
الصورة العامة التي تتشكل اليوم في فاس مكناس هي صورة جهة تحاول الخروج من منطق المشاريع المتفرقة إلى منطق بناء مجال ترابي متكامل.
الاستثمار الصناعي يتقدم، المشاريع المهيكلة تتوسع، تأهيل المدن يتواصل، الاستعداد للاستحقاقات الدولية يفرض إيقاعا جديدا، برامج تقليص الفوارق المجالية مستمرة، والمراكز الصاعدة تدخل تدريجيا إلى دائرة الاهتمام.
وفي وسط هذه الدينامية، يظهر خالد آيت طالب أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الإدارة الترابية أن تجمع مختلف هذه الأوراش في رؤية واحدة تجعل التنمية محسوسة لدى المواطن؟
المعطيات الحالية تعطي مؤشرات على حركة واضحة، لكن الحكم النهائي سيظل مرتبطا بما سيظهر على الأرض، خصوصا في الملفات التي تمس الحياة اليومية للسكان.
فنجاح المرحلة لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات التي تم الإعلان عنها، ولا بعدد الاتفاقيات التي تم توقيعها، وإنما بعدد فرص العمل التي خلقتها المشاريع، وبجودة الخدمات التي تحسنت، وبالمدن التي أعيد تأهيلها، وبالأحياء الشعبية التي تغيرت، وبالمناطق القروية التي خرجت من العزلة.
وهنا بالضبط تكمن قيمة المرحلة التي تقودها جهة فاس مكناس: تحويل الأرقام إلى نتائج، والمشاريع إلى واقع، والاستثمارات إلى فرص عمل، والاستعداد لكأس العالم إلى ورش دائم لتحسين المدينة.
خالد آيت طالب.. أمام فرصة صناعة مرحلة جديدة
يمتلك والي جهة فاس مكناس اليوم فرصة حقيقية لترسيخ نموذج جديد في الإدارة الترابية، يقوم على الحضور الميداني، وتسريع الأوراش، واستقطاب الاستثمار، والتنسيق بين المؤسسات، وربط المشاريع الكبرى بالحاجيات اليومية للمواطنين.
وإذا كانت مسؤولية الاستثمار تعود إلى منظومة مؤسساتية تضم الدولة والجهة والمركز الجهوي للاستثمار والقطاعات الحكومية والقطاع الخاص، فإن دور الوالي يظل محوريا في ضمان الانسجام الترابي، وتسهيل التنسيق، ومواكبة المشاريع الاستراتيجية، واستيعاب التحولات التي تعرفها المنطقة.
لقد أصبحت فاس مكناس مطالبة بأن تكون في مستوى مكانتها التاريخية والجغرافية، وأن تتحول إلى قطب اقتصادي وسياحي وثقافي ورياضي أكثر تنافسية.
والطريق إلى ذلك يمر عبر استمرار الاستثمار، وجذب شركات جديدة، وتسريع الأوراش، وتأهيل المدن، وتحديث البنيات التحتية، وتحسين ظروف العيش، وإعادة الاعتبار للأحياء الشعبية، وربط المدن بالأقاليم والمراكز القروية، والاستعداد الجدي لاستحقاقات 2030.
إن جهة فاس مكناس تدخل بالفعل مرحلة مختلفة، لكن نجاحها لن يكون في كثرة المشاريع وحدها، وإنما في القدرة على تنفيذها بكفاءة وتحويلها إلى أثر ملموس في حياة المواطن.
وهنا ستكون السنوات المقبلة بمثابة اختبار حقيقي لقدرة خالد آيت طالب وباقي المؤسسات والمنتخبين والفاعلين الاقتصاديين على تحويل هذه الدينامية إلى نموذج جهوي متكامل، يجعل من فاس مكناس جهة للاستثمار والعمل والتنمية، ويضعها في المكان الذي تستحقه داخل المغرب الجديد الذي يتشكل على إيقاع أوراش كبرى واستحقاقات دولية غير مسبوقة.






