ثقافة

الجامعة الأورومتوسطية بفاس تتصدر الجامعات المغربية في التصنيف العالمي للاستدامة وتواصل تعزيز حضورها الدولي

حققت الجامعة الأورومتوسطية بفاس إنجازا جديدا على الساحة الأكاديمية الدولية، بعدما تصدرت الجامعات المغربية في النسخة السادسة عشرة من تصنيف «يو آي غرين متريك» العالمي للجامعات المستدامة لعام 2026، محتلة المرتبة الأولى وطنيا، والمرتبة 323 عالميا، والسابعة على مستوى إفريقيا، ضمن تصنيف شمل 2016 مؤسسة جامعية من 110 دول حول العالم. وسجلت الجامعة 7737.5 نقطة، في نتيجة جديدة تضع المؤسسة الفاسية في واجهة الجامعات المغربية التي تجمع بين التكوين الأكاديمي والبحث العلمي والابتكار والاستدامة.

ولا تأتي هذه المرتبة باعتبارها إنجازا معزولا أو نتيجة ظرفية، بل تندرج ضمن مسار متواصل من الحضور الدولي للجامعة الأورومتوسطية بفاس، التي يقودها البروفيسور مصطفى بوسمينة، حيث أصبحت المؤسسة خلال السنوات الأخيرة حاضرة في عدد من التصنيفات الدولية ذات الصلة بالتعليم العالي والبحث العلمي والاستدامة والانفتاح الدولي.

ويكتسب تصنيف 2026 أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة «يو آي غرين متريك»، الذي لا يقتصر على قياس الأداء الأكاديمي التقليدي، وإنما يقيس أداء الجامعات من خلال مجموعة من المؤشرات المرتبطة بالبنية التحتية، والطاقة والتغير المناخي، وتدبير المياه والنفايات، والنقل والتنقل، والتعليم والبحث، والحوكمة، بما يجعل موقع الجامعة في التصنيف مرتبطا أيضا بطريقة بناء وتدبير الحرم الجامعي واستدامته.

بوسمينة.. مشروع جامعي يتجاوز التكوين إلى بناء مؤسسة متكاملة

وتبرز في خلفية هذا المسار شخصية رئيس الجامعة، البروفيسور مصطفى بوسمينة، الذي يتولى قيادة جامعة الأورومتوسطية بفاس، وهي مؤسسة ذات منفعة عامة وغير ربحية، وتحمل علامة الاتحاد من أجل المتوسط بدعم من الدول الأعضاء الـ43، فيما تحظى تحت الرئاسة الفخرية لجلالة الملك محمد السادس. وتؤكد الجامعة أن مشروعها تأسس على مبادرة ملكية بهدف إحداث إطار للتعليم العالي والبحث العلمي يقوم على الحوار بين الثقافات والتبادل والتعاون بين ضفتي المتوسط، مع امتداد طبيعي نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

ويظهر توجه بوسمينة في جعل الجامعة فضاء يجمع بين التكوين والبحث والابتكار والانفتاح الدولي، وليس مجرد مؤسسة لتدريس التخصصات الجامعية. فالجامعة تقدم نفسها اليوم باعتبارها منظومة أكاديمية متكاملة تضم 11 مؤسسة للتعليم العالي، موزعة على ثلاثة أقطاب رئيسية، هي قطب الهندسة والعمارة، وقطب العلوم الإنسانية والاجتماعية، وقطب الصحة، إلى جانب منظومة البحث والابتكار.

وتضم الجامعة حاليا مدرسة البوليتكنيك الأورومتوسطية، والمدرسة الأورومتوسطية للهندسة الرقمية والذكاء الاصطناعي، والمدرسة الأورومتوسطية للهندسة المعمارية والتصميم والتعمير، ضمن قطب الهندسة والعمارة.

وفي قطب العلوم الإنسانية والاجتماعية، توجد كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، والمدرسة العليا للأعمال الأورومتوسطية، ومعهد العلوم القانونية والسياسية الأورومتوسطي، ومعهد سوربون الأورومتوسطي لقانون الأعمال.

أما قطب الصحة، فيضم كلية الطب الأورومتوسطية، وكلية طب الأسنان، وكلية الصيدلة، وكلية علوم التمريض وتقنيات الصحة، إضافة إلى مدرسة الهندسة في الهندسة الطبية الحيوية والتكنولوجيا الحيوية. وتوفر الجامعة، وفق معطياتها الحالية، نحو 56 تكوينا، وتستقبل أكثر من 4997 طالبا، ينتمون إلى 52 جنسية، على حرم جامعي يمتد على 75 هكتارا، مع 46 ناديا طلابيا وحاضنتين ومركز مؤتمرات بطاقة استيعابية تبلغ 3498 مقعدا، فضلا عن مركب رياضي تقدمه الجامعة باعتباره الأكبر من نوعه على مستوى الجامعات المغربية.

الحرم الإيكولوجي.. الاستدامة التي سبقت التصنيف

وإذا كان تصنيف «يو آي غرين متريك» قد منح الجامعة اليوم المرتبة الأولى وطنيا، فإن جزءا كبيرا من تفسير هذه النتيجة يرتبط بالاختيارات التي سبقت التصنيف بسنوات، وفي مقدمتها تصميم الحرم الجامعي باعتباره «حرمًا إيكولوجيا» يقوم على معايير الاستدامة.

فالجامعة اعتمدت في مبانيها مقاربة الجودة البيئية العالية، مع استخدام مواد محلية قليلة الاستهلاك للطاقة، وعزل حراري وصوتي، وتصميم يسمح بالاستفادة القصوى من الإضاءة الطبيعية، إلى جانب استعمال الطاقة الشمسية من خلال الألواح الكهروضوئية لإنتاج الكهرباء، والألواح الشمسية الحرارية لإنتاج الماء الساخن. كما وضعت الجامعة منظومات لاسترجاع مياه الأمطار وإعادة استعمال المياه الرمادية، فضلا عن اعتماد فرز النفايات وتطوير المساحات الخضراء والرياضية والترفيهية.

وفي مجال التنقل المستدام، جهز الحرم الجامعي بمحطات لشحن السيارات الكهربائية، فيما اعتمدت الجامعة أيضا وسائل تنقل كهربائية داخل منظومتها، إلى جانب أجهزة استشعار للحركة للتحكم في الإنارة وتقليص استهلاك الطاقة، وحملات تحسيسية موجهة إلى الطلبة والمستخدمين حول ترشيد استهلاك الماء والكهرباء.

كما أخذت الجامعة في الاعتبار الولوجية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، من خلال تهيئة مرافق الحرم الجامعي وتجهيزاته بما يسمح بولوج مختلف الفضاءات، إلى جانب اعتماد إشارات بطريقة برايل ومرافق ملائمة.

وتشير وثائق الجامعة المتعلقة بأهداف التنمية المستدامة إلى أن الحرم صمم وفق تصور يقوم على تقليص الاستهلاك الطاقي ودمج مصادر الطاقة المتجددة، مع مشاريع مرتبطة باسترجاع المياه وإعادة استعمالها، وتوسيع الاقتصاد الدائري، وهو ما يوضح أن المرتبة التي حققتها الجامعة في التصنيف الدولي الحالي جاءت في سياق منظومة عمل متراكمة.

من غرين متريك إلى تصنيفات دولية متعددة

اللافت في حصيلة جامعة الأورومتوسطية بفاس أن تصدرها لتصنيف الاستدامة لعام 2026 يأتي بعد سلسلة من المؤشرات الدولية الأخرى.

ففي تصنيف «راوند يونيفرسيتي رانكينغ» لعام 2026، أكدت الجامعة موقعها في المرتبة الأولى وطنيا، بعدما كانت قد احتلت في النسخة السابقة المرتبة الثانية إفريقيا خلف جامعة كيب تاون الجنوب إفريقية. كما جاءت الجامعة في تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026 في المرتبة الثانية وطنيا، ضمن الفئة العالمية بين 401 و600.

وفي يناير 2026، أعلنت الجامعة أيضا أن منصة «سكولار جي بي إس» وضعتها في المرتبة الأولى وطنيا، كما وضعت رئيسها البروفيسور مصطفى بوسمينة في المرتبة الأولى بين الباحثين المغاربة في التصنيف المذكور، بحسب المعطيات التي نشرتها الجامعة.

وتتصل هذه الصورة كذلك بالبحث العلمي، إذ تشير الجامعة إلى وجود ثمانية من أساتذتها الباحثين ضمن قائمة أفضل 2 في المائة من العلماء الأكثر تأثيرا وفق تصنيف ستانفورد وإلسفير لعام 2025.

أما في تصنيف «غرين متريك» نفسه، فلم تبدأ قصة الجامعة في 2026، إذ كانت قد تصدرت الجامعات المغربية أيضا في نسخة 2025، التي وضعتها ضمن أفضل 400 جامعة عالميا، بعدما اعتمد التصنيف على 51 مؤشرا مرتبطة بالتنمية المستدامة والابتكار والتعليم والبحث.

وبذلك فإن الانتقال من تصدر نسخة 2025 إلى المرتبة 323 عالميا في نسخة 2026 يعكس استمرارية في المسار أكثر مما يعكس حدثا منفردا.

جامعة تستعد للجيل الجديد من الطلبة

وتزامن هذا التتويج الدولي مع انطلاق الموسم الجامعي 2026-2027، بعدما أعطت جامعة الأورومتوسطية بفاس في 14 شتنبر الماضي الانطلاقة لأسبوع إدماج الطلبة الجدد، واستقبلت جيلا جديدا من الطلبة القادمين من المغرب ومن بلدان مختلفة، في إطار منظومة أكاديمية تراهن الجامعة من خلالها على تكوين كفاءات قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية والبيئية في المنطقة الأورومتوسطية وإفريقيا.

وتأتي هذه الدينامية في وقت توسعت فيه الجامعة بشكل واضح من حيث التخصصات، إذ باتت تجمع بين الهندسة والذكاء الاصطناعي والعمارة والتصميم، والعلوم الإنسانية والقانون والأعمال، والطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض والهندسة الطبية الحيوية، وهو تنوع يتيح لها بناء جسور بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية والصحة والابتكار.

من فاس إلى إفريقيا.. الانفتاح يتحول إلى شراكات

ولا تقتصر استراتيجية الجامعة على استقطاب الطلبة من مختلف البلدان، بل تمتد إلى بناء علاقات أكاديمية وعلمية مع مؤسسات إفريقية ودولية.

وفي أكتوبر 2025، استقبل البروفيسور مصطفى بوسمينة سفير جمهورية بنين لدى المغرب، حيث جرى بحث تطوير التعاون الجامعي، بما في ذلك برامج تكوين مشتركة ومشتركة التوطين لفائدة الطلبة وطلبة الدكتوراه البينينيين، وتعزيز التعاون في الصحة والتكنولوجيات الناشئة والبحث والابتكار. وفي السياق نفسه، قدمت الجامعة طابعتي ثلاثية الأبعاد من تصميم وتصنيع الجامعة إلى جامعتي أبومي كالافي والجامعة الوطنية للفلاحة في بنين.

كما احتضنت الجامعة في فبراير 2025 زيارة سفير مدغشقر، في إطار تعزيز العلاقات الأكاديمية بين المغرب ومدغشقر، مع بحث التعاون في التعليم العالي والبحث والابتكار، في وقت تستقبل فيه الجامعة بالفعل طلبة من مدغشقر.

وفي يونيو 2025، احتضنت الجامعة النسخة الثالثة من «أسبوع إفريقيا»، بمشاركة دبلوماسيين وخبراء وطلبة ومقاولين وفنانين، في إطار توجه يضع الشباب الإفريقي في قلب التعاون القاري.

بوسمينة.. الرهان على جامعة تصنع الكفاءات والبحث

ويبرز اسم البروفيسور مصطفى بوسمينة في مختلف هذه المحطات باعتباره رئيس المؤسسة والمسؤول عن توجيه استراتيجيتها، إذ تنص منظومة حكامة الجامعة على أن الرئيس يتولى قيادة الجامعة ومختلف مكوناتها، وتحديد استراتيجيات تطويرها وضمان الانسجام بين الحكامة والبحث والتكوين. كما تشترط منظومة اختيار الرئيس أن يكون من الشخصيات المعترف بكفاءتها الأكاديمية والعلمية دوليا وأن يقدم مشروعا استراتيجيا لتطوير الجامعة.

وقد انعكس هذا التوجه أيضا في مجال البحث العلمي والإنتاج الأكاديمي، إذ أعلنت الجامعة في يناير 2025 عن إصدار مجموعة من المؤلفات والمجلات العلمية تحت إشراف البروفيسور مصطفى بوسمينة والبروفيسور عبد الحق عزوزي، من بينها أعمال مرتبطة بالمغرب والمتوسط وإفريقيا، بمشاركة أكثر من مائة مؤلف من أكاديميين ووزراء وباحثين وخبراء.

كما أن الجامعة واصلت خلال السنوات الماضية توسيع منظومتها العلمية والتكوينية، وهو ما ظهر في احتفالها في نوفمبر 2025 بتخرج الدفعة العاشرة، حيث احتفت بـ585 خريجا، من بينهم 267 مهندسا و125 من خريجي العمارة والتصميم و193 خريجا في مجالات الأعمال والعلوم القانونية والسياسية والعلوم الإنسانية والاجتماعية.

وهكذا، فإن تصدر جامعة الأورومتوسطية بفاس لتصنيف «يو آي غرين متريك» لعام 2026 لا يمكن قراءته فقط كمرتبة في تصنيف أخضر، بل باعتباره مؤشرا على نموذج جامعي يحاول الجمع بين التكوين والبحث والابتكار والاستدامة والانفتاح الدولي.

فالجامعة التي توجد اليوم في المرتبة الأولى وطنيا والـ323 عالميا في هذا التصنيف، وتضم 11 مؤسسة للتعليم العالي و56 تكوينا وأكثر من 4997 طالبا من 52 جنسية، بنت خلال السنوات الماضية جزءا من هويتها حول الحرم المستدام، والبحث العلمي، والتخصصات الحديثة، والشراكات الدولية، والامتداد الإفريقي.

وبالنسبة إلى فاس، فإن هذا التتويج يضع المدينة مرة أخرى في واجهة النقاش حول مستقبل التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، ويمنح الجامعة الأورومتوسطية، تحت قيادة البروفيسور مصطفى بوسمينة، محطة جديدة ضمن مسار بدأ منذ تأسيسها على مبادرة ملكية، ويتجه اليوم نحو ترسيخ موقعها كمؤسسة أكاديمية ذات حضور وطني ودولي، لا سيما في مجالات الاستدامة والابتكار والبحث العلمي والتكوين المرتبط بالتحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى