القنص العشوائي ليلا يستنفر سلطات جهة فاس مكناس.. مطالب لحماية الثروة الوحشية وتشديد المراقبة

دخل ملف القنص العشوائي والجائر بجهة فاس مكناس مرحلة جديدة من التنبيه المؤسساتي، بعدما راسل الفرع الجهوي للجامعة الملكية المغربية للقنص جهات متعددة، محذرا من تنامي ممارسات القنص غير القانوني، ولا سيما خلال الفترة الليلية، وملتمسا تدخلا من السلطات من أجل توحيد الجهود وتشديد المراقبة والحد من انتشار هذه الظاهرة التي تهدد التوازن البيئي والثروة الحيوانية بالمجال القروي والغابوي .
وتأتي هذه المراسلة في ظرفية دقيقة، إذ يستعد المغرب لافتتاح موسم القنص 2026-2027 يوم الأحد 4 أكتوبر المقبل، وفق المقتضيات التنظيمية التي صادق عليها المجلس الأعلى للقنص، وهو ما يجعل الانتقال إلى الموسم الجديد مناسبة لإعادة ضبط الممارسات الميدانية والتأكيد على أن ممارسة القنص لا يمكن أن تتم إلا داخل الإطار القانوني والتنظيمي المحدد لها.
وتكتسي القضية أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة أقاليم الجهة، الذي يتميز بمحميات و مجالات جبلية وغابوية وقروية واسعة، وبمؤهلات طبيعية تجعل منه أحد المجالات المهمة لممارسة القنص بجهة فاس مكناس، خصوصا قنص الحجل والخنزير البري. وتؤكد المعطيات الرسمية للجهة أن تضاريس تاونات وغاباتها توفر فضاءات لممارسة القنص، فيما يمتد الإقليم على مساحة تناهز 5885 كيلومترا مربعا وتنتشر ساكنته على أكثر من 1600 قرية.
وتكشف معطيات الجامعة الملكية المغربية للقنص نفسها عن وجود شبكة واسعة من جمعيات القنص بأقاليم الجهة، وهو ما يعكس اتساع المجال المخصص لممارسة القنص وتعدد المتدخلين والفاعلين المرتبطين بهذا النشاط.
غير أن اتساع المجال الجغرافي وتعدد مناطق القنص يفرضان، في المقابل، تحديات أكبر على مستوى المراقبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بممارسات تتم ليلا أو خارج المجالات والأوقات المسموح بها. فالقنص الليلي غير القانوني لا يمثل مجرد خرق للإطار المنظم لممارسة القنص، وإنما يطرح إشكالات مرتبطة بصعوبة الرصد والمراقبة، وباحتمال استهداف الطرائد في ظروف تجعل احترام قواعد السلامة والحفاظ على الثروة الوحشية أكثر تعقيدا.
وتأتي مراسلة الفرع الجهوي للجامعة في سياق أوسع يعرف فيه قطاع القنص بجهة فاس مكناس اهتماما متزايدا بمواجهة المخالفات. فقد أعلنت الوكالة الوطنية للمياه والغابات أن موسم 2025-2026 شهد تسجيل 173 مخالفة تم زجرها على الصعيد الوطني خلال فترة قنص الطرائد المستقرة، مقابل 170 مخالفة خلال الفترة نفسها من الموسم السابق، بينما سجلت جهة فاس مكناس أعلى نسبة من هذه المخالفات، بحصة بلغت 20 في المائة.
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها من كونها تكشف أن مراقبة نشاط القنص ليست مسألة هامشية، بل جزء من منظومة أوسع لحماية المجال الطبيعي وضمان احترام شروط ممارسة القنص. كما سجل الموسم نفسه أربع حوادث عرضية متفاوتة الخطورة على المستوى الوطني، من بينها حالات بجهة فاس مكناس، وهو ما يبرز أيضا أهمية احترام قواعد السلامة أثناء استعمال الأسلحة وممارسة القنص.
وفي أقاليم الجهة، سبق أن كشفت واقعة موثقة خلال أكتوبر 2025 عن خطورة القنص غير القانوني ليلا، عندما دخلت عملية تعقب لقناصة سريين في مواجهة مع أربعة أشخاص كانوا، بحسب المعطيات المنشورة آنذاك، يمارسون القنص ليلا داخل مجال غابوي وخارج الموسم القانوني، قبل أن تتطور الواقعة إلى مطاردة تخللتها طلقات نارية. وتبرز هذه الواقعة، بصرف النظر عن مآلها القضائي، طبيعة المخاطر الأمنية التي يمكن أن تنشأ عندما يتحول القنص غير المشروع إلى نشاط يتم في الظلام وبعيدا عن المراقبة القانونية.
ولا يتعلق الأمر فقط بحماية الطرائد، إذ إن مكافحة القنص الجائر ترتبط أيضا بالحفاظ على التوازنات الطبيعية داخل المجال الغابوي. فالقانون رقم 29.05 المتعلق بحماية أنواع النباتات والحيوانات المتوحشة ومراقبة الاتجار فيها وضع إطارا لحماية الأنواع البرية والمحافظة عليها، فيما تنظم النصوص الخاصة بالقنص شروط ممارسة هذا النشاط، بما يشمل الفترات والمجالات والوسائل والضوابط التي يتعين احترامها.
ومن هنا، فإن المراسلة الموجهة إلى الجهات المسؤولة لا تبدو مجرد تنبيه بشأن مخالفات متفرقة، وإنما تعكس دعوة إلى اعتماد مقاربة جماعية تشترك فيها السلطات الإقليمية والمصالح المكلفة بالمياه والغابات والجامعة الملكية المغربية للقنص والجمعيات المحلية والسلطات الأمنية والمنتخبون والفاعلون في المجال القروي، لأن اتساع رقعة الإقليم وتعدد المسالك والمناطق الغابوية يجعل المراقبة الفعالة بحاجة إلى تنسيق مستمر وتبادل سريع للمعلومات.
وتبرز أهمية هذا التنسيق بشكل أكبر مع اقتراب افتتاح موسم القنص الجديد، حيث سيكون الرهان هو التمييز بوضوح بين القنص القانوني، الذي يشكل نشاطا منظما وله أدواره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبين القنص العشوائي الذي يتم خارج الضوابط ويهدد بتحويل المجال الغابوي إلى فضاء مفتوح للمخالفات.
كما أن مسؤولية جمعيات القنص لا تتوقف عند تنظيم ممارسة أعضائها، بل تشمل أيضا المساهمة في نشر ثقافة احترام القانون والتبليغ عن الممارسات التي تسيء إلى القنص المنظم وإلى الثروة الوحشية. فالجامعة الملكية المغربية للقنص تقدم نفسها باعتبارها فاعلا في تأطير القناصين وتطوير القنص المسؤول، كما أن لائحتها الرسمية تظهر وجود عشرات الجمعيات النشيطة في مختلف أقاليم جهة فاس مكناس، بما فيها عدد مهم من الجمعيات بإقليم تاونات.
ويكتسب هذا الدور أهمية أكبر لأن الحفاظ على الثروة الحيوانية لا يمكن أن يعتمد فقط على عمليات المراقبة والزجر بعد وقوع المخالفة، بل يحتاج أيضا إلى الوقاية والتحسيس والتأطير، خاصة في المناطق القروية التي يعرف سكانها المجال الغابوي ومسالكه بشكل دقيق. ولذلك فإن إشراك الساكنة المحلية في الإبلاغ عن الممارسات غير القانونية يمكن أن يشكل إحدى الآليات المهمة لتعزيز المراقبة، شريطة أن يتم ذلك عبر القنوات القانونية والجهات المختصة.
وفي الوقت نفسه، فإن التشدد في مواجهة القنص العشوائي لا يعني التضييق على القناصين الملتزمين بالقانون، بل على العكس من ذلك، فإن حماية القنص المنظم تقتضي محاصرة الممارسات التي تضر بسمعة هذا النشاط وتخلق منافسة غير مشروعة بين من يحترمون الضوابط ومن يتجاوزونها.
وتظهر تجربة موسم 2025-2026 أن التحدي قائم على المستوى الجهوي؛ فكون فاس مكناس سجلت 20 في المائة من مجموع المخالفات المزجرة وطنيا يجعل موضوع المراقبة أكثر إلحاحا، خصوصا في إقليم بحجم تاونات وبطبيعته الجغرافية المتنوعة. ولا يعني ذلك أن المخالفات محصورة في الإقليم أو أن جميع القناصين مسؤولون عنها، وإنما يبرز الحاجة إلى تكثيف الجهود حيث تتطلب طبيعة المجال إمكانيات أكبر للرصد والتدخل.
وبالتزامن مع قرب افتتاح موسم القنص في الرابع من أكتوبر، تبدو الرسالة التي تحملها مراسلة الفرع الجهوي للجامعة الملكية المغربية للقنص واضحة: المطلوب ليس انتظار وقوع حوادث أو ضبط مخالفين، وإنما الانتقال إلى مراقبة استباقية وتنسيق دائم، خصوصا خلال الفترات الليلية التي يصعب فيها اكتشاف المخالفات بالوسائل التقليدية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تتحول دعوة الجهات المسؤولة إلى تظافر الجهود إلى أرضية لعمل ميداني أكثر انتظاما، من خلال تعزيز الدوريات في المناطق الأكثر عرضة للمخالفات، وتبادل المعلومات بين المتدخلين، وتشديد المراقبة على المناطق الحساسة، وتكثيف حملات التحسيس قبل وأثناء الموسم، مع تطبيق المقتضيات القانونية على كل من تثبت مخالفته دون استثناء.
إن حماية الثروة الحيوانية ليست مسؤولية جهاز واحد، كما أن محاربة القنص الجائر لا يمكن أن تكون موسمية. فالمجال الطبيعي الذي تحتضنه المنطقة يمثل رصيدا بيئيا وسياحيا وقرويا، وأي استنزاف غير قانوني لمكوناته ينعكس في النهاية على التوازن البيئي وعلى مستقبل القنص المنظم نفسه.
وبينما يستعد القناصون القانونيون لاستقبال موسم جديد في الرابع من أكتوبر، تضع مراسلة الفرع الجهوي للجامعة الملكية المغربية للقنص السلطات أمام ملف يحتاج إلى معالجة استباقية: حماية المجال الغابوي من القنص العشوائي، منع الممارسات الليلية غير القانونية، تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، والحفاظ في الوقت نفسه على نشاط القنص المنظم باعتباره ممارسة مؤطرة قانونا ومرتبطة بحماية الثروة الوحشية.
وتبقى الرسالة الأهم أن نجاح موسم القنص لا يقاس فقط بعدد الرخص أو القناصين، وإنما بمدى احترام القانون، وسلامة الممارسة، وقدرة المتدخلين على حماية الطرائد والمجالات الطبيعية من الاستنزاف. حيث تتداخل الجبال والغابات والقرى وتتسع رقعة المجال القروي، فإن محاربة القنص الجائر تحتاج إلى يقظة ميدانية مستمرة وتعاون فعلي بين السلطات والقناصين والجمعيات والساكنة، حتى لا تتحول المخالفات الفردية إلى ظاهرة يصعب تطويقها.






