أزمة الطين و مكينات “الشينوا” تهدد الزليج الفاسي.. الصناع يحتجون دفاعاً عن حرفة عمرها قرون

تدخل صناعة الفخار والزليج البلدي بفاس مرحلة دقيقة، بعدما تراكمت أمام المهنيين أزمة الطين، وتراجع جودة المادة الأولية، ومشاكل ظروف الاشتغال، إلى جانب المخاوف من زحف المكننة على حرفة تقوم أساساً على مهارة الصانع التقليدي وإرث تناقلته أجيال من «المعلمين» الفاسيين.
ولم تبق الأزمة في حدود الشكايات، إذ دخل الصناع في احتجاجات ميدانية متكررة خلال سنة 2026. ففي يوليوز، أضرب صناع الفخار والزليج ببنجليق عن العمل وأغلقوا ورشاتهم، ونظموا وقفة أمام ولاية جهة فاس مكناس احتجاجاً على ندرة الطين ورداءة جودته، محذرين من تأثير ذلك على الإنتاج والأسواق الخارجية.
وفي 25 شتنبر الجاري، عاد الاحتجاج بقوة، بعدما أقدم عدد من صناع الزليج والفخار على إغلاق ورشاتهم للمطالبة بحل لمشكل المادة الأولية، عقب سلسلة من الوقفات الاحتجاجية التي خاضها المهنيون خلال الأشهر الماضية.
لكن أزمة الطين ليست سوى وجه واحد من الأزمة. فقد سبق للصناع أن احتجوا ضد ما يعتبرونه زحفاً للمكننة على الزليج اليدوي، وسط مخاوف من أن تؤدي الآلات والمنتجات المصنعة آلياً إلى تراجع الطلب على المنتج التقليدي وإغلاق ورشات عريقة وتهديد مصدر رزق آلاف الأسر. وقد وصل هذا الملف إلى البرلمان من خلال سؤال كتابي حول إنصاف الصانع التقليدي للزليج الفاسي وحمايته من زحف المكننة.
وتزداد حساسية الملف لأن الزليج الفاسي لا يقوم فقط على منتج نهائي، بل على سلسلة حرفية تبدأ بالطين وتنتهي بيد «المعلم». ويظل طين بنجليق أحد العناصر الأساسية في هذه السلسلة، لما يتميز به من خصائص تسمح بالتشكيل والتقطيع الدقيق، وهي خصائص ترتبط مباشرة بجودة الزليج البلدي وأصالته.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه البرامج الرسمية عن تأهيل منطقة بنجليق وإحداث محطة لمعالجة الطين، يجد الصناع أنفسهم في شتنبر 2026 مضطرين إلى إغلاق ورشاتهم والاحتجاج من أجل المادة الأولية.
ولا تنحصر معاناة المهنيين في الطين والمكننة، إذ تواجه منطقة بنجليق أيضاً مشاكل في الطريق والبنية التحتية، بينما تشير معطيات ميدانية إلى أن حوالي خمسة آلاف حرفي وعامل يرتبطون بالنشاط الحرفي بالمنطقة، التي تشكل أحد أهم مراكز صناعة الزليج الفاسي التقليدي.
وهكذا، أصبح السؤال المطروح يتجاوز توفير الطين إلى مستقبل الصانع التقليدي نفسه: كيف يمكن تحديث القطاع دون أن تتحول المكننة إلى بديل عن اليد التي حفظت أسرار الزليج الفاسي عبر القرون؟ وكيف يمكن أن تتحول برامج تأهيل الصناعة التقليدية من مشاريع معلنة إلى حلول ملموسة داخل الورشات؟
فاحتجاجات الصناع وإغلاقهم لورشاتهم ليست مجرد مطالب ظرفية، وإنما مؤشر على حجم القلق داخل قطاع يحمل جزءاً من هوية فاس وذاكرتها الحرفية، ويحتاج إلى معالجة أزمة المادة الأولية وحماية الصانع وتحسين ظروف اشتغاله، بالتوازي مع الحفاظ على القيمة التاريخية للزليج البلدي والفخار الفاسي.






