العدالة والتنمية يتحرك سريعاً بعد الانتخابات.. مجلس وطني استثنائي ببوزنيقة لترسيم المعارضة ومواجهة الأصالة والمعاصرة

لم ينتظر حزب العدالة والتنمية طويلاً بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 حتى يعيد ترتيب أوراقه السياسية، إذ انتقل، في ظرف أقل من 72 ساعة، من الاحتفال بعودة قوية إلى الواجهة البرلمانية إلى فتح نقاش حاسم حول موقعه في المرحلة السياسية المقبلة، وسط توجه معلن نحو الاصطفاف في المعارضة ومواجهة الحكومة التي ستتشكل بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات.
ويعقد الحزب، اليوم السبت 26 شتنبر، دورة استثنائية لمجلسه الوطني بمدينة بوزنيقة، ابتداء من العاشرة صباحاً بمجمع مولاي رشيد للشباب والطفولة، للتداول في نتائج الاستحقاق الانتخابي ومناقشة المرحلة السياسية والتنظيمية المقبلة. ويأتي الاجتماع في أعقاب اجتماع استثنائي للأمانة العامة برئاسة عبد الإله ابن كيران، انتهى إلى اعتبار المعارضة الوطنية موقعاً طبيعياً للحزب، مع إحالة القرار النهائي على المجلس الوطني.
وتحمل دورة بوزنيقة أكثر من مجرد تقييم انتخابي، لأنها تنعقد في لحظة عاد فيها «المصباح» إلى واجهة المشهد بعد نتيجة 2021 التي حصل خلالها على 13 مقعداً فقط. أما انتخابات 2026 فأعادت الحزب إلى 54 مقعداً، أي أكثر من أربعة أضعاف حصيلته السابقة، ليحل رابعاً وطنياً خلف الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، والتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65.
واللافت في هذه العودة هو طبيعتها المجالية؛ فبحسب توزيع النتائج، حصد العدالة والتنمية 43 مقعداً في المدن والحَواضر مقابل 11 في الدوائر القروية وشبه القروية، وهو ما أعاد إلى الحزب حضوراً قوياً داخل عدد من المراكز الحضرية. كما أعلن الحزب نفسه أنه استعاد حضوره في المدن الكبرى والمتوسطة، إلى جانب فوزه بمقاعد في دوائر ذات طابع قروي.
وتظهر فاس ومكناس بوضوح ضمن خريطة هذه العودة، إلى جانب الرباط وسلا والدار البيضاء وطنجة وأكادير وغيرها، فيما دخل عدد من الوجوه المعروفة للحزب إلى البرلمان من جديد، من بينهم عبد الله بووانو عن مكناس، ومحمد خيي عن فاس الجنوبية، وعبد المجيد بنشنوف عن فاس الشمالية، وهو ما يعطي للتموقع الجديد للحزب ثقلاً حضرياً وبرلمانياً واضحاً.
وفي الجانب السياسي، لم تخف قيادة الحزب اتجاهها منذ الساعات الأولى التي أعقبت النتائج. فقد أعلن عبد الإله ابن كيران رفضه المشاركة في حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة، فيما أكدت الأمانة العامة أن الحزب سيواصل أداء أدواره من موقع «المعارضة الوطنية المسؤولة والقوية». لكن القرار النهائي، وفق المساطر الداخلية، يعود إلى المجلس الوطني الذي يجتمع اليوم ببوزنيقة.
وبذلك تتحول دورة بوزنيقة إلى أول اختبار سياسي كبير للعدالة والتنمية بعد عودته إلى البرلمان: هل يكتفي الحزب بتثبيت موقعه في المعارضة، أم يفتح نقاشاً أوسع حول أسباب عودته وماذا يريد أن يفعل بهذه القوة البرلمانية الجديدة؟
وفي الجهة المقابلة، يجد الأصالة والمعاصرة نفسه أمام واقع سياسي مختلف؛ فتصدره للانتخابات بـ97 مقعداً يضعه في موقع قيادة المشاورات الحكومية المقبلة، بينما يستعد العدالة والتنمية، إذا صادق مجلسه الوطني على توجه الأمانة العامة، للتموقع في الضفة المقابلة وممارسة رقابة برلمانية وسياسية أكثر حضوراً.
وبين بوزنيقة ونتائج 23 شتنبر، بدأت ملامح مرحلة سياسية جديدة في المغرب تتشكل سريعاً: حزب يقود مسار تشكيل الحكومة، وحزب معارض عاد من نتيجة انتخابية صعبة إلى البرلمان بقوة أكبر، وفي مقدمة قيادته عبد الإله ابن كيران، الذي اختار منذ الساعات الأولى رسم حدود واضحة مع حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة.
وتظل محطة المجلس الوطني اليوم حاسمة في تحويل هذا التوجه السياسي المعلن إلى قرار مؤسساتي صادر عن أعلى هيئة تقريرية للحزب، لتبدأ بعدها معركة جديدة داخل البرلمان، عنوانها المعارضة، ومساءلة الحكومة، والدفاع عن الاختيارات والملفات التي سيضعها «المصباح» في صدارة أجندته خلال الولاية الجديدة.






