غير مصنف

فضيحة “الحماية الاجتماعية”: هندسة إقصائية تحرم الملايين من “أمو تضامن” والدعم المباشر.. والوكالة الوطنية تتحول إلى “دكان انتخابي”

لم يعد خافياً على أحد أن الورش الملكي الرائد للحماية الاجتماعية والدعم المباشر، والذي كان مأمولاً منه انتشال الفئات الهشة من مخالب الفقر، قد انحرف عن سكته الصحيحة بفعل التدبير الحكومي الكارثي، وتحول في عهد الحكومة الحالية إلى آلية بيروقراطية معقدة لـ”هندسة الإقصاء” وتكريس الفوارق.

إن التقرير الأخير الصادر عن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، والذي يحاول استعراض الأرقام والتسويق لـ”إنجازات” وهمية عبر الحديث عن استفادة $3.9$ ملايين أسرة بقيمة مالية وصلت إلى 51 مليار درهم، لا يمكنه حجب الغابة النازفة من المعاناة؛ حيث تؤكد المعطيات والمصادر المتطابقة إقصاء وحرمان أزيد من مليوني أسرة مغربية من هذا الدعم ومن التغطية الصحية “أمو تضامن”، في مفارقة صارخة تعري زيف الشعارات الحكومية حول “الدولة الاجتماعية”.

مفارقة الوسطين القروي والحضري: اعتراف رسمي بفشل “المخطط الأخضر”

يكشف تقرير الوكالة أن نسبة $60\%$ من المستفيدين يتواجدون بالوسط القروي، وهو رقم رغم دلالته، يحمل إدانتين ثقيلتين للحكومة:

  • أولاً: الإدانة الفلاحية والتنموية: إن تركز الفقر والحاجة في العالم القروي بهذه النسبة الصادمة هو بمثابة شهادة وفاة رسمية لـ”المخطط الأخضر” وسياساته الفلاحية التي استنزفت الملايير. فالتقرير يعترف بدم بارد بفشل البرامج التي قادها رئيس الحكومة لسنوات، والتي ركزت على إنعاش كبار الفلاحين والمستثمرين وتصدير الثروات المائية، بينما تركت الفلاح الصغير يعاني التهميش والفقر، ليتحول العالم القروي إلى خزان للمطالبين بـ”فتات” الدعم.

  • ثانياً: إعدام فقراء الحواضر: في المقابل، يطرح ضعف الدعم الموجه للوسط الحضري علامات استفهام حارقة حول مصير ملايين الأسر الفقيرة التي تعج بها دور الصفيح، والأحياء العشوائية، وأحزمة البؤس المحيطة بالمدن الكبرى والمتوسطة، والتي تعيش عزلة خانقة وتفتقر لأبسط شروط الحياة الكريمة، وتم إسقاطها عمداً من حسابات الدعم.

“عقبة المؤشر” والمعايير الجائرة: قمة العبث والخلل التدبيري

تتجلى ذروة الفضيحة التدبيرية في المعايير والشروط غير المنطقية والتعجيزية التي اعتمدتها الحكومة عبر منظومة استهداف مشوهة. فبسبب “عقبة المؤشر” الرقمي الأعمى في السجل الاجتماعي الموحد، وجدت آلاف الأسر نفسها مقصية ومحرومة من حقها في الاستفادة من “أمو تضامن” ومن الدعم المباشر، لأسباب تافهة ومثيرة للسخرية (مثل التوفر على قنينة غاز إضافية، أو تعبئة هاتفية زهيدة، أو عداد كهربائي مشترك).

والأخطر من ذلك، هو تلك المفارقة الغريبة والخلل الذي عجزت الحكومة عن تجاوزه: مواطنون يتلقون الدعم الاجتماعي الشهري الهزيل (الذي لا يتعدى 500 درهم)، وفي نفس الوقت يتم إقصاؤهم وحرمانهم من نظام “أمو تضامن” للتغطية الصحية! كيف يستقيم في منطق الحكامة أن تصنف الدولة مواطناً بأنه “فقير يستحق دعم 500 درهم”، ثم تعتبره في نفس الوقت “ميسوراً لا يستحق العلاج المجاني ويجب عليه الأداء”؟ إنه تخبط وتشريع مائل يُقصي الأرامل، والمطلقات، والعجزة، والمسنين الذين لا معيل لهم، ويتركهم يواجهون مصيرهم أمام أبواب المستشفيات.

مديرة بلا تجربة.. والوكالة كـ”ملحقة” للحملة الانتخابية

أمام هذا الفشل الذريع، يتضح للمتتبعين أن الخلل كامن في رأس الهرم التسييري لهذه الوكالة الاستراتيجية؛ حيث تم تعيين مديرة تفتقر بشكل صارخ للتجربة الميدانية والكفاءة التدبيرية اللازمة لقيادة ورش وطني بهذا الحجم والحساسية. هذا التعيين لم يكن مبنياً على الكفاءة والاستحقاق، بل فُرض فرضاً من طرف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، في إطار سياسة الولاءات الحزبية والترضيات المقيتة.

الهدف من هذا التعيين بات مفضوحاً اليوم مع قرب الاستحاقات الانتخابية؛ فرئيس الحكومة كان يخطط وينتظر تسخير هذه الوكالة الوطنية وتحويلها إلى “دكان انتخابي” ووسيلة للدعاية والتسويق لربح الأصوات واستمالة ذمم الفئات الهشة، مستغلين حاجة المواطنين للركوب عليها سياسياً. لكن الواقع أثبت أن الوعاء الانتخابي انفرط، والتقرير الذي أُريد به “التسويق” تحول إلى صك إدانة يفضح كيف تُوزع أموال الشعب كـ”أعطيات” مشروطة بالإقصاء والمن والرياء السياسي.

 برنامج “من الخيمة خرج مايل”

إن ما يحدث اليوم في تنزيل الدعم والحماية الاجتماعية يؤكد المقولة الشعبية المأثورة: “هذا البرنامج من الخيمة خرج مايل”. وهو الوصف الذي يلتقي فيه منتقدو الحكومة بل وحتى اعترافات مبطنة من بعض وزرائها الذين صُدموا من حجم الاختلالات التقنية والاجتماعية على أرض الواقع.

إن حرمان أزيد من مليوني أسرة، واللعب بمؤشرات الفقر، وجعل التغطية الصحية وسيلة لابتزاز جيوب الفقراء، وتعيين مسيرين بلا كفاءة لخدمة أجندات حزبية ضيقة، كلها مؤشرات تؤكد أن الحكومة الحالية تفتقد للحس الوطني والسياسي لإنجاح الأوراش الكبرى. لن يغطي التقرير “الانتخابي” للوكالة أنين المرضى والمقصيين، والشعب المغربي لم يعد يبتلع طعم الوعود الزائفة، وسيحاسب في صناديق الاقتراع كل من سولت له نفسه تحويل آلام الفقراء إلى قنطرة للمصالح السياسوية الضيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى