“حمى الزفت” الانتخابي تجتاح فاس: صفقات مشبوهة لتنويم الساكنة.. ومقاطعة زواغة تُسابق الزمن على أنقاض فاجعة “حي المسيرة”!

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تشهد العاصمة العلمية فاس ظاهرة موسمية مكشوفة باتت تثير تهكم وسخط الشارع الفاسي على حد سواء؛ إنها “حمى التزفيت” المتأخرة التي اجتاحت شوارع وأزقة المدينة فجأة وبدون مقدمات. فبعد سنوات من الإهمال والنسيان، وعقب شلل تام أصاب البنية التحتية للمدينة التي تحولت شوارعها إلى حفر وأخاديد، استيقظت مقاطعات فاس فجأة من سباتها الشتوي الطويل، لتطلق آليات التزفيت وصهر الأسفلت في سباق محموم مع الزمن الانتخابي.
هذا المشهد السريالي يطرح علامات استفهام حارقة حول غياب الحكامة، وخلفيات هذه التحركات الاستعراضية، لاسيما في مقاطعة زواغة بنسودة التي تعيش على صفيح ساخن، وفي ظل مفارقات تدبيرية وأخلاقية تستوجب الوقوف عندها بمسؤولية وجرأة وصراحة.
صفقات “الزفت”: الوليمة المفضلة لكبار المنتخبين
ليس خافياً على أي متتبع للشأن المحلي بفاس أن صفقات “الزفت” أو إعادة تهيئة الطرقات تُعد من بين الصفقات المفضلة والمدللة لدى رؤساء المقاطعات وبعض كبار المنتخبين. فلماذا “الزفت” بالذات وفي هذا التوقيت الحساس؟
-
أولاً: لأن الأسفلت يمنح مفعولاً بصرياً فورياً ومباشراً؛ فهو يغطي العيوب بسرعة ويمنح المواطن انطباعاً وهمياً بالإنجاز والتنمية، وهي أسهل وسيلة لاستمالة أصوات الناخبين وتنويم الساكنة مغناطيسياً قبل أسابيع قليلة من صناديق الاقتراع.
-
ثانياً: لأن صفقات التزفيت، في غياب آليات الرقابة الصارمة والدقيقة، تظل تاريخياً مجالاً خصباً تثار حوله شبهات “الريع” و”الترضيات” وتفصيل الدفاتر على مقاس شركات بعينها، مما يجعلها الصفقة الأسرع تمريراً والأسهل استغلالاً في التعبئة الانتخابية المضادة لمنطق الحكامة الجيدة.
إن فتح صفقات ضخمة للتزفيت في هذه الفترة الزمنية الحرجة والمقرونة بالانتخابات يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص، ويعد استغلالاً مكشوفاً للمرفق العام وميزانيات الدولة لأغراض برستيجية وحملات انتخابية سابقة لأوانها تحت غطاء “المصلحة العامة”.
مقاطعة زواغة: تزفيت الواجهات وسط مستنقع النفايات وأحزمة البؤس
وتتجسد ذروة هذه المفارقة الصادمة في مقاطعة زواغة بنسودة؛ هذه المنطقة التي تصنف كواحدة من أكبر المقاطعات كثافة سكانية وأكثرها تعقيداً من الناحية الاجتماعية. تعاني زواغة منذ سنوات من هشاشة بنيوية مزمنة، وتطوقها أحزمة الفقر والبؤس من كل جانب، فضلاً عن غرق أحيائها في مستنقع حقيقي من النفايات المنزلية والصلبة، وتردي خدمات القرب الأساسية.
بدل أن تتوجه ميزانيات المقاطعة ومجهودات مجلسها نحو معالجة معضلات الفقر، وإدماج الشباب، وخلق متنفسات خضراء، وإيجاد حلول حذرية لأزمة النظافة والبيئة، نرى اليوم إنزالاً مكثفاً لآليات التزفيت في شوارع رئيسية من أجل “تزويق الواجهات”. إنها مشاريع تفتقر إلى النجاعة والالتقائية، ولا أحد يعرف المعايير الفنية التي اعتُمدت فيها، ولا مدى صمود هذا “الزفت الصيفي” أمام أولى زخات مطر الخريف القادم، مما يؤكد أنها حلول ترقيعية ظرفية لا تلمس جوهر معاناة الساكنة اليومية.
المفارقة الكبرى: تدبير الشأن العام على أنقاض فاجعة “حي المسيرة”
إن ما يثير الذهول والاستنكار العارم في وجدان الساكنة، هو أن هذا التهافت والسباق المحموم لتزفيت مقاطعة زواغة، يقوده رئيس المقاطعة الذي يتابع في ملف قضائي واجتماعي من أثقل الملفات التي هزت الرأي العام الوطني؛ ملف انهيار مبنى حي المسيرة المأساوي، والذي راح ضحيته مصرع 22 شخصاً من الأبرياء.
وهنا يطرح المواطن الفاسي سؤاله العفوي والشرعي: كيف يمكن لمن يتابع في ملف بهذه الخطورة، يرتبط بشكل مباشر بمدى احترام معايير البناء والسلامة والترخيص والتعمير، أن يستمر في إبرام وإطلاق صفقات عمومية تهم البنية التحتية والطرقات في هذا التوقيت الحرج؟ أين هي الأخلاقيات السياسية؟ وأين هو مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ إن الاستمرار في هذا النهج وكأن شيئاً لم يكن، يعطي انطباعاً سلبياً بأن “التبوريدة” الانتخابية وصناعة الوعود الزائفة أهم لدى المنتخبين من دماء الضحايا ومن محاسبة الذات ومراجعة الاختلالات التدبيرية الكارثية.
ماذا يقع في فاس؟ والمنتخبون يسابقون الزمن!
عندما نجمع خيوط المشهد في فاس خلال الأشهر الأخيرة، ندرك يقيناً أن شيئاً ما ليس على ما يرام في عاصمة الأدارسة. فالمدينة تبدو وكأنها سفينة تتقاذفها الأمواج ؛ وجهاز التدبير الجماعي يعيش عشوائية مطلقة و فلش ذريع يحاول من خلاله رؤساء المقاطعات و عمدة المدينة الظهور من تحت الرماد بعدما أن فتح لهم المجال، وإما أنهم قد أحسوا بقرب نهاية ولايتهم وأفول نجمهم السياسي، فقرروا مسابقة الزمن من أجل تحقيق مآرب وأمور يجهلها المواطن العادي، لكنهم يعرفونها هم جيداً ويتكتمون عليها؛ مآرب ترتبط بإعادة التموقع، وتأمين التحالفات، وضمان البقاء في كراسي المسؤولية بشتى الطرق.
إن ما يحدث اليوم بفاس هو استخفاف صريح بذكاء المواطنين. فالزفت لن يغطي على تلال النفايات، والأسفلت لن يداوي جراح ضحايا فواجع العقار، وصناعة المسرحيات الانتخابية في الربع ساعة الأخير لن تمحو سنوات من الفشل التنموي. فاس تستحق حكامة حقيقية ونخبة مسؤولة تحترم القانون وتحترم كرامة الساكنة، لا منتخبين يحاولون تعبيد طريقهم نحو البرلمان على حساب بؤس وتهميش أحياء زواغة وبنسودة وباقي المقاطعات المكلومة.






