تحت ضغط الشارع المهني… وزير الصحة يتراجع أمام الصيادلة ويجمد تحرير رأسمال الصيدليات وسط انتقادات لارتباك القرارات الحكومية

شهد قطاع الصيدلة بالمغرب منعطفاً جديداً بعد الاجتماع الطارئ الذي عقده وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي مع المركزيات النقابية الممثلة للصيادلة، يوم الجمعة 6 مارس 2026 بالرباط، وهو اللقاء الذي انتهى بقرارات وصفت بالحاسمة بعد أن أعلنت النقابات تعليق الإضرابات التي كانت مبرمجة خلال الأيام المقبلة. غير أن هذا التطور لم يمر دون أن يثير موجة واسعة من التساؤلات والانتقادات، خاصة بعد أن اعتبر عدد من المتتبعين أن الحكومة رضخت عملياً لضغط الصيادلة، في خطوة تعكس من جديد ارتباك المقاربة الحكومية في تدبير ملفات مهنية حساسة.
تراجع حكومي تحت ضغط النقابات
الاجتماع الذي جمع وزير الصحة بالمركزيات النقابية للصيادلة جاء في سياق توتر متصاعد داخل القطاع، بعد أن أعلنت التنظيمات المهنية عن برنامج احتجاجي تصعيدي كان من شأنه أن يربك خدمات الصيدليات عبر مختلف المدن. غير أن اللقاء انتهى بإعلان مفاجئ تمثل في تعليق الإضرابات، بعدما قدم الوزير ما اعتبرته النقابات “مكاسب ملموسة” تتعلق أساساً بملف تحرير رأسمال الصيدليات.
ففي الوقت الذي كان فيه مجلس المنافسة قد طرح مقترحاً يقضي بفتح رأسمال الصيدليات أمام مستثمرين من خارج المهنة في إطار تحرير القطاع، سارعت النقابات إلى رفض هذا التوجه بشكل قاطع، معتبرة أنه يهدد استقلالية الصيدلي ويحوّل الصيدليات إلى مجرد مشاريع تجارية خاضعة لمنطق الربح.
وخلال الاجتماع، اضطر وزير الصحة إلى إعلان موقف واضح يقضي باستبعاد هذا المقترح من الأجندة التنفيذية للحكومة، مؤكداً أن الصيدلية تظل مرفقاً صحياً لا يمكن التعامل معه وفق منطق السوق الصرف. هذا الإعلان اعتبرته النقابات انتصاراً لمطالبها، لكنه في المقابل فتح باب الانتقادات أمام الحكومة التي بدت وكأنها تتراجع أمام ضغط الشارع المهني.
انتقادات لغياب رؤية حكومية واضحة
ويرى عدد من المتابعين أن ما جرى يعكس مرة أخرى غياب رؤية حكومية متماسكة في تدبير قطاع حساس كقطاع الصحة. فبين توصيات المؤسسات الدستورية مثل مجلس المنافسة، وبين الضغوط المهنية للنقابات، تجد الحكومة نفسها في كثير من الأحيان مضطرة إلى التراجع أو تعديل قراراتها تحت ضغط الاحتجاجات.
وفي هذا السياق، اعتبر بعض الفاعلين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في ملف فتح رأسمال الصيدليات، بل في غياب إصلاح شامل للمنظومة الصيدلانية، التي تعاني منذ سنوات من اختلالات هيكلية مرتبطة بتوزيع الصيدليات والخريطة الصحية وتسعير الأدوية.
ملفات قانونية مؤجلة منذ عقود
ولم يقتصر النقاش خلال الاجتماع على مسألة رأسمال الصيدليات، بل امتد ليشمل عدداً من الملفات القانونية والتنظيمية التي ظل الصيادلة يطالبون بتسويتها منذ سنوات طويلة. ومن بين هذه الملفات إعادة النظر في ظهير 1922 الذي يؤطر مهنة الصيدلة، وهو نص قانوني قديم يعتبره المهنيون متجاوزاً ولم يعد قادراً على مواكبة التحولات التي عرفها القطاع.
كما طرح الصيادلة إشكالات أخرى تتعلق بتنظيم قطاع الأدوية البيطرية، ومشروع قانون المكملات الغذائية، إضافة إلى قضايا تقنية مرتبطة بوضعية الأدوية الجنيسة ولائحة السواغات، فضلاً عن إشكالية الخريطة الصحية التي تثير جدلاً مستمراً بسبب التفاوت الكبير في توزيع الصيدليات بين المدن والمناطق القروية.
اتفاقات سابقة تنتظر التنفيذ
ومن بين النقاط التي أثيرت بقوة خلال اللقاء أيضاً ملف الاتفاقات السابقة الموقعة بين الوزارة والنقابات في 6 أبريل 2025، والتي ما تزال بعض بنودها تنتظر التنفيذ على أرض الواقع. وقد شددت النقابات خلال الاجتماع على ضرورة تسريع أجرأة هذه الاتفاقات، معتبرة أن تأخر تنفيذها كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعتها إلى التلويح بالإضراب.
وفي محاولة لاحتواء الاحتقان داخل القطاع، تعهد وزير الصحة بتسريع وتيرة تنزيل عدد من هذه الملفات، مؤكداً أن بعضها وصل بالفعل إلى مراحله النهائية من الإعداد القانوني والتنظيمي.
تعليق الإضرابات… ولكن بحذر
وبناءً على هذه التعهدات الحكومية، أعلنت المركزيات النقابية للصيادلة تعليق جميع الأشكال الاحتجاجية التي كانت مبرمجة خلال الفترة المقبلة. غير أن هذا التعليق جاء مشروطاً باستمرار الحوار مع الوزارة وبضمان تنفيذ الالتزامات التي تم الاتفاق عليها خلال الاجتماع.
كما أكدت النقابات أنها ستبقي على حالة “اليقظة المهنية”، تحسباً لأي قرارات مستقبلية قد تمس باستقلالية المهنة أو بحقوق الصيادلة، مع الاتفاق على عقد اجتماع تتبعي خلال الأيام المقبلة لتقييم مدى تقدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
بين منطق الإصلاح ومنطق التراجع
غير أن ما جرى يطرح، بحسب عدد من المحللين، سؤالاً أعمق يتعلق بطريقة تدبير الحكومة للإصلاحات القطاعية. فبين من يدافع عن ضرورة تحرير بعض المهن لتعزيز المنافسة وتحسين الخدمات، وبين من يرى أن بعض القطاعات ذات طبيعة اجتماعية وصحية يجب حمايتها من منطق السوق، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن حقيقي بين الإصلاح الاقتصادي وحماية المصلحة العامة.
وفي حالة قطاع الصيدلة، يبدو أن الحكومة اختارت في هذه المرحلة التهدئة وتجنب الصدام مع النقابات، حتى لو كان ذلك على حساب بعض المقترحات الإصلاحية التي طرحتها مؤسسات رسمية.
قطاع حيوي ينتظر إصلاحاً حقيقياً
يبقى قطاع الصيدلة أحد الأعمدة الأساسية للمنظومة الصحية بالمغرب، حيث يشكل الصيادلة الحلقة الأقرب إلى المواطنين في مسار العلاج والدواء. غير أن هذا القطاع يواجه في الوقت نفسه تحديات متعددة تتعلق بتنظيم المهنة وتحديث الإطار القانوني وتحقيق توازن اقتصادي يسمح للصيدليات بالاستمرار دون المساس بجودة الخدمات الصحية.
وبينما نجحت النقابات في انتزاع تنازلات حكومية مؤقتة، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه الخطوة ستقود فعلاً إلى إصلاح حقيقي للقطاع، أم أنها مجرد هدنة جديدة في مسلسل طويل من الأزمات المهنية التي تعود للواجهة كل بضع سنوات.






