سياسة

زلزال تنموي في هندسة الحكامة الترابية: بين إعادة تموقع القرار العمومي وصعود منطق النجاعة والإنجاز

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولاً عميقاً في بنية الحكامة الترابية، تحول لا يقتصر على إعادة توزيع الاختصاصات، بل يمتد إلى إعادة تعريف فلسفة تدبير التنمية نفسها، في اتجاه يكرّس منطق النجاعة والسرعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل الرهانات الكبرى المرتبطة بالأوراش الاستراتيجية والاستحقاقات الدولية المقبلة وعلى رأسها كأس العالم 2030.

في قلب هذا التحول، يبرز توجه واضح نحو إعادة تموقع أدوار الفاعلين الترابيين، حيث يتم تعزيز موقع الإدارة الترابية التابعة لوزارة الداخلية كفاعل محوري في قيادة وتنزيل المشاريع الكبرى، مقابل تقليص هامش التعثر الناتج عن التداخلات السياسية داخل بعض المجالس المنتخبة، بما يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق التدبير التوافقي إلى منطق الإنجاز الميداني.

هذا التحول يجد مرجعيته في الرؤية الاستراتيجية التي يقودها صاحب الجلالة محمد السادس، والتي جعلت من تسريع وتيرة التنمية وتقليص الفوارق المجالية خياراً مركزياً، ضمن إطار “النموذج التنموي الجديد” وورش “الجهوية المتقدمة”، بما يعزز حضور الدولة كضامن للإنجاز لا فقط كمنظم للمجال.

لغة الأرقام: هندسة جديدة للتنمية

تكشف المعطيات المرتبطة بهذا التحول عن مقاربة رقمية صارمة تعكس حجم الرهان:

الميزانية المرصودة تصل إلى غلاف مالي ضخم يقدر بـ 210 مليار درهم، موجه لتمويل مشاريع بنيوية كبرى تهم البنيات التحتية، التأهيل الحضري، والربط الترابي.

كما يمتد هذا المخطط التنفيذي على مدى 8 سنوات كاملة، في أفق 2034، ما يعكس رؤية طويلة المدى تقوم على الاستمرارية بدل التدخلات الظرفية.

أما على المستوى المؤسساتي، فقد تم اعتماد إعادة هيكلة عميقة للأدوات التنفيذية، من خلال تحويل “وكالات تنفيذ المشاريع” إلى “شركات مساهمة جهوية”، وهو تحول نوعي يهدف إلى الجمع بين مرونة القطاع الخاص وصرامة الرقابة العمومية، بما يرفع من فعالية الإنجاز ويقلص من التعقيدات الإدارية.

وفي السياق نفسه، تم تعزيز موقع الولاة والعمال عبر منحهم صلاحيات موسعة في الإشراف المباشر على مختلف مراحل المشاريع، من البرمجة إلى التنفيذ والتتبع، في خطوة تروم تجاوز ما كان يُوصف سابقاً بـ”البلوكاج السياسي” الناتج عن تضارب المصالح داخل المجالس المنتخبة.

نحو إعادة توزيع الأدوار بين المنتخب والإدارة

هذا التحول لا يعني إقصاء الفاعل السياسي المحلي، بقدر ما يعكس إعادة ضبط دقيقة للأدوار داخل منظومة الحكامة الترابية. فالمجالس المنتخبة تبقى فاعلاً أساسياً في التأطير القريب من المواطن، بينما يتم إسناد الأوراش الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي إلى جهاز إداري وتقني أكثر قدرة على ضمان الاستمرارية والنجاعة.

بهذا المعنى، يتم الانتقال من منطق التدبير القائم على التوازنات السياسية المحلية إلى منطق جديد يضع “قابلية الإنجاز” في صلب تقييم السياسات العمومية، في انسجام مع متطلبات المرحلة التنموية الراهنة.

تجربة دولية مرجعية: من التسييس إلى التكنوقراطية

هذا التحول يجد صداه في تجارب دولية اعتمدت نماذج مشابهة، حيث تم الفصل بين التدبير السياسي اليومي وإدارة المشاريع الكبرى عبر هيئات تقنية متخصصة. فسنغافورة اعتمدت نموذج الوكالات المستقلة ذات الكفاءة العالية، ورواندا طورت نظاماً قائماً على عقود أداء صارمة، بينما وضعت كوريا الجنوبية البنية التحتية ضمن إشراف إداري مركزي موجه نحو النتائج.

هذه النماذج لا تُستنسخ حرفياً، لكنها تقدم مرجعاً في كيفية تحقيق قفزات تنموية عبر تقوية الجهاز التنفيذي وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الدولة وسياسة تجاوز “الريع”: نحو حكامة قائمة على الأداء

في خلفية هذا التحول، يبرز توجه واضح نحو تجاوز أنماط التدبير التي كانت تخلق في بعض الحالات اختلالات مرتبطة بالريع أو ضعف الفعالية، من خلال إعادة توجيه بوصلة التنمية نحو الكفاءة والإنجاز.

لم تعد التنمية، في هذا السياق، مجالاً للصراع الحزبي أو التجاذب السياسي، بل أصبحت ورشاً تقنياً واستراتيجياً، يُقاس فيه الأداء بمدى تحقيق النتائج على الأرض، لا فقط بحدود الخطاب السياسي.

 نحو شرعية جديدة عنوانها الإنجاز

يمكن القول إن المغرب يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال، مرحلة تقوم على مبدأ واضح: التنمية لم تعد تُقاس بوعود البرامج، بل بقدرة المؤسسات على التنفيذ الفعلي.

وفي ظل هذا التحول، تتقدم “شرعية الإنجاز” لتصبح معياراً مركزياً في تقييم الفعل العمومي، تحت إشراف رؤية استراتيجية يقودها الملك محمد السادس، هدفها الأساسي هو تسريع التحول التنموي، وتقليص الفوارق المجالية، وبناء نموذج حكامة أكثر صرامة وفعالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى