فضيحة من العيار الثقيل: المسبح البلدي لفاس يتحول إلى “مستودع للمتلاشيات”.. وعمدة المدينة خارج التغطية يغرق في “بهرجة” السيلفيات!

في الوقت الذي تلامس فيه درجات الحرارة بمدينة فاس سقف الأربعين مئوية، وتحت أشعة شمس حارقة لا ترحم، حيث تشتد حاجة ساكنة الحواضر إلى ملاذات مائية تطفئ لهيب الصيف، وتنقذ الأطفال والشباب من الاختناق الحقيقي داخل أحياء شعبية تفتقر لأبسط مقومات الترفيه؛ تفجرت في العاصمة العلمية فضيحة تدبيرية وبيئية بكل المقاييس، تعري الواقع المرير لسياسة المجالس المتعاقبة، وتضع مجلس جماعة فاس، وعلى رأسه العمدة عبد السلام البقالي، في قفص الاتهام المباشر بالتقصير، واستهداف الحقوق الأساسية للمواطنين.
من مسبح بلدي تاريخي.. إلى “مزبلة” لملعب الحسن الثاني!
الخبر الصادم الذي نزل كالصاعقة على شباب وأطفال فاس، الذين كانوا ينتظرون بفارغ الصبر التعجيل بفتح المسبح البلدي مع انطلاق موسم الاصطياف، هو تحويل هذا المرفق الحيوي الاستراتيجي، بدم بارد، إلى مستودع عشوائي للمتلاشيات ومخلفات الهدم.
بدل أن تمتلئ جنبات المسبح بمياه زرقاء وصيحات الفرح للأطفال الهاربين من لفحات “الشرقي”، غصت أحواضه عن آخرها بكراسي مقتلعة، وألواح خشبية صدئة، وأدوات بناء، وأتربة ناتجة عن عمليات الهدم والإصلاح التي طالت ملعب الحسن الثاني. إنها صورة سريالية تعكس قمة العبث والاستهتار، وتثبت بالملموس أن التدبير الجماعي بفاس يسير بمنطق “العشوائية” وتغطية الثقوب بثقوب أكبر منها. فكيف يعقل أن يُعدم متنفس مائي وحيد لأحياء بأكملها من أجل إفراغ نفايات صلبة، في ضرب صارخ لدفاتر التحملات والمسؤولية الأخلاقية والقانونية؟
بؤس المتنفسات: نافورات الموت وحقول الطريق السيار
أمام هذا الإغلاق الممنهج وغياب المسابح العمومية المؤهلة، تحولت شوارع فاس إلى مسرح لـ”مشاهد البؤس الصيفي”. صور صادمة ومؤلمة تلك التي يتداولها الفاسيون يومياً: أطفال بعمر الزهور يلقون بأجسادهم الغضة وسط النافورات العمومية المتسخة، يسبحون في مياه راكدة ملوثة، غير آبهين بخطورة الصعقات الكهربائية الكامنة وسط الأسلاك المحيطة بالمضخات، ولا بالأمراض الجلدية والمعوية التي تهدد سلامتهم.
تحولت النافورات، التي جُعلت أصلاً للزينة الجمالية، إلى “مسابح اضطرارية” تحت أعين السلطات المنتخبة التي لا تحرك ساكناً. وفي المشهد المقابل، تفر عائلات بأكملها، بحثاً عن نسمة هواء باردة، لافتراش العشب على حقول وجنبات الطريق السيار، معرضين أنفسهم وأطفالهم لخطر حوادث السير القاتلة، بعد أن أعدمت الجماعة الحدائق والمساحات الخضراء وحولتها إلى أراضٍ جرداء قاحلة.
“التبوريدة” الإعلامية وسيكولوجية “السيلفي”
وفي خضم هذه المعاناة الإنسانية والاجتماعية، يبدو أن عمدة فاس، عبد السلام البقالي، يعيش في كوكب آخر؛ إذ يلاحظ المتتبع للشأن المحلي كيف ينتشي العمدة في الأشهر الأخيرة بـ”بهرجة” إعلامية غير مسبوقة، محاولاً ركوب موجة من القرارات والمشاريع التي ليست من إنتاجه ولا من جهد مجلسه، بل هي نتاج استراتيجيات مركزية وسلطات ترابية.
فبدل الانكباب على حل أزمة النقل، وتأهيل المسابح، وإصلاح البنية التحتية المتهالكة، يفر العمدة إلى الأمام عبر عدسات الكاميرات، متنقلاً بين ساحة “بوجلود” لالتقاط مقاطع الفيديو مع “الحلايقيا” في محاولة مكشوفة لاستجداء شعبية مفقودة، أو الانحناء لالتقاط صور “السيلفي” مع أطفال في غفلة من أمرهم، مستعرضاً مسرحيات “القرب من المواطن” التي لم تعد تنطلي على أحد. يبدو أن الرجل، بعد أن وجد الساحة السياسية فارغة داخلياً، و تساهل غير مفهوم من طرف المسؤولين بفاس و تركه يعيث في الأرض و يحاول إعادة تسويق نفسه كـ”منقذ”، متناسياً أن التدبير الحقيقي يُقاس بـ”المشاريع على الأرض” لا بـ”عدد الإعجابات” على منصات التواصل الاجتماعي.
العودة من رماد المحاكم.. ذاكرة فاس لا تنسى!
إن هذه العودة الاستعراضية للعمدة،وفتح له المجال للظهور كأول مسؤول بفاس وحديثه الواثق في اللقاءات الرسمية وكأنه لم يرتكب أي هفوة تدبيرية، تأتي بعد مرحلة عصيبة عاشها في عهد الوالي السابق سعيد أزينبر، حيث تم جره وجر عدد من مسؤولي المجلس إلى ردهات المحاكم لمواجهة ملفات ثقيلة تتعلق باختلالات تدبير المرفق العام وضبط صفقات عمومية.
ولا يمكن لساكنة فاس أن تنسى “الفضيحة” التي فجرها الوالي الزروالي، إبان فترة تدبيره لشؤون المدينة بالنيابة بعد الإطاحة بالوالي الجامعي؛ حيث كشف الزروالي زيف الشعارات، ووقف شخصياً على اختلالات خطيرة، لاسيما تلك المتعلقة بـمسبح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بطريق عين الشقف، وهو الملف الذي وضع العمدة ومدير المصالح بمجلس جماعة فاس في موقف حرج للغاية أمام سلطات الرقابة.
ورغم أن هذا الملف يحاولون طيه في ظروف مشبوهة، ورغم أن ردهات جماعة فاس اهتزت مؤخراً بـ”الزغاريد” والاحتفالات إثر إرجاع ملف العمدة إلى محكمة النقض في قضايا أخرى، إلا أن إعادة تداول القضاء في ملفه لا تعني بتاتاً التبرئة السياسية والشعبية. إن واقع الحال يكشف أن العمدة وجد في هذه الانفراجة القضائية المؤقتة متنفساً حقيقياً لكي “يتبورد” على المسؤولين والساكنة، متناسياً أن حبل تدبير الشأن العام قصير، وأن المحاسبة الحقيقية تأتي من عمق المعاناة اليومية للمواطن الفاسي.
فاس تستحق تدبيراً لا “مسرحاً”
إن تحويل المسبح البلدي إلى مفرغة لمتلاشيات ملعب الحسن الثاني ليس مجرد خطأ تقني، بل هو جريمة تدبيرية مع سبق الإصرار والترصد، تضرب في العمق الحق السوسيواقتصادي لساكنة العاصمة العلمية. إنها الفضيحة التي تكشف بالملموس وجه المعاناة التي تعيشها فاس تحت وطأة مجلس جماعي أبان عن فشله الذريع في إدارة الأزمات البسيطة، فكيف له أن يدير أوراشاً كبرى؟
إن أطفال فاس الذين يخاطرون بحياتهم داخل النافورات، وعائلاتها التي تفترش أرصفة الطرقات السريعة، يرسلون رسالة واضحة وصارخة إلى من يهمهم الأمر: “كفى من السيلفيات والبهرجة الجوفاء.. فاس تحتاج إلى مسؤولين ميدانيين يفهمون معنى التدبير الترابي و يعيدون للمدينة هيبتها ومرافقها، وليس إلى هواة يبحثون عن الأضواء فوق أنقاض كرامة الساكنة ومستقبل أطفالها”. فهل ستتحرك سلطات الرقابة لفتح تحقيق عاجل في “مجزرة المسبح البلدي”، أم أن دار لقمان ستظل على حالها والزغاريد ستستمر فوق مآسي المواطنين؟






