تقنين القنب الهندي بين رهانات الدولة وشكاوى المزارعين.. هل تُفرغ بعض الممارسات المشروع من أهدافه؟

عندما أطلق المغرب ورش تقنين الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي من خلال القانون رقم 13.21، لم يكن الأمر مجرد تعديل قانوني أو خيار اقتصادي عابر، بل شكل منعطفاً استراتيجياً في التعاطي مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في مناطق الشمال. فقد جاء هذا الورش في سياق رؤية تنموية واضحة تروم إدماج المزارعين في الاقتصاد المنظم، وحمايتهم من الاستغلال، وخلق سلاسل إنتاج قانونية ذات قيمة مضافة، بما يضمن الكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية المحلية.
لقد كان الأمل كبيراً لدى آلاف المزارعين الذين اعتبروا هذا المشروع فرصة تاريخية للقطع مع سنوات طويلة من الهشاشة والخوف، والانتقال إلى ممارسة نشاط قانوني يوفر لهم دخلاً مستقراً ويضع حداً لهيمنة الوسطاء والسوق غير المهيكلة.
غير أن ما يروج اليوم داخل عدد من التعاونيات والقرى المعنية بزراعة القنب الهندي يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويستوجب وقفة مسؤولة من مختلف المؤسسات المعنية، حتى لا يتحول مشروع تنموي كبير إلى مصدر جديد للإحباط وفقدان الثقة.
فوفق معطيات وشهادات يتداولها عدد من المزارعين، فإن بعض المستثمرين أو الشركات المتعاقدة – إذا ثبتت صحة هذه الادعاءات – لم يلتزموا، في بعض الحالات، بتنفيذ التزاماتهم التعاقدية تجاه المنتجين، بعدما تسلموا المحاصيل قبل أن تدخل العلاقة التعاقدية في دوامة من التأجيل والخلافات حول صرف المستحقات المالية.
وتتحدث هذه الشهادات عن مزارعين وجدوا أنفسهم، بعد موسم كامل من العمل والإنفاق، أمام انتظار طويل للحصول على مستحقاتهم، في وقت أصبحت فيه المحاصيل خارج حيازتهم، وهو وضع، إن ثبت، يطرح أسئلة جدية حول آليات المراقبة وحماية الطرف الأضعف داخل هذه المنظومة الاقتصادية الجديدة.
الأخطر من ذلك أن بعض الروايات المتداولة بين المزارعين تتحدث عن استعمال أسماء مؤسسات الدولة أو الإيحاء بوجود حماية أو نفوذ لتبرير التأخير أو ثني المتضررين عن المطالبة بحقوقهم. وإذا كانت مثل هذه الادعاءات صحيحة، فإنها لا تمثل فقط اعتداءً على حقوق الفلاح، بل تمس أيضاً بصورة المؤسسات العمومية، وتستغل ثقة المواطنين في الدولة لتحقيق مصالح خاصة، وهو أمر لا يمكن القبول به في دولة المؤسسات والقانون.
ومن الضروري التذكير بأن المشروع الملكي لتقنين القنب الهندي لم يُطلق من أجل خلق وسطاء جدد أو منح امتيازات لفئة على حساب أخرى، وإنما جاء لحماية المزارع أولاً، وإرساء اقتصاد قانوني شفاف يخضع للمحاسبة، ويحقق التنمية لفائدة الساكنة المحلية.
كما أن حصول أي شركة أو مستثمر على ترخيص لممارسة الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي لا يمنحه امتيازاً خارج القانون، ولا يعفيه من احترام العقود والالتزامات التجارية، ولا يحول دون خضوعه لرقابة القضاء والسلطات المختصة متى ظهرت نزاعات أو ادعاءات بوجود إخلالات.
إن نجاح هذا الورش الوطني لا يقاس فقط بعدد الرخص الممنوحة أو حجم الاستثمارات المعلنة، بل بمدى شعور المزارع البسيط بأن الدولة حمت حقوقه، وأن القانون يقف إلى جانبه عندما يتعرض لأي تعسف أو إخلال بالتعاقد.
ولذلك، فإن المرحلة الحالية تستدعي تعزيز الرقابة على العلاقات التعاقدية بين الشركات والتعاونيات، وإرساء آليات ناجعة لتسوية النزاعات، مع ضمان الشفافية في تنفيذ العقود وأداء المستحقات داخل آجال معقولة، بما يحافظ على مصداقية المشروع ويصون الثقة التي وضعها المزارعون فيه.
كما أن الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي مطالبة، بحكم دورها التنظيمي، بمتابعة مدى احترام دفاتر التحملات والالتزامات القانونية، والتدخل كلما ظهرت مؤشرات على وجود اختلالات قد تمس حقوق المنتجين أو تؤثر على أهداف هذا الورش الوطني.
وأمام ما يتم تداوله من شكاوى ووثائق وشهادات من بعض التعاونيات والمزارعين، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى فتح تحقيق إداري وقانوني شفاف ومستقل من طرف الجهات المختصة، قصد التحقق من صحة هذه الادعاءات، وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، وحماية جميع الأطراف وفق ما ينص عليه القانون.
فإذا ثبت وجود تجاوزات، فإن معالجتها بحزم ستكون انتصاراً للمشروع الملكي قبل أن تكون انتصاراً للمزارعين، ورسالة واضحة مفادها أن الدولة التي أطلقت هذا الورش التنموي لن تسمح بتحويله إلى وسيلة للإضرار بالفلاحين أو استغلالهم، وأن سيادة القانون تظل الضامن الحقيقي لنجاح أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي.
وتزداد الحاجة إلى التحقيق أكثر مع ما يتم تداوله من شكاوى صادرة عن عدد من المزارعين والتعاونيات بإقليم تاونات، الذين يتحدثون عن وجود نزاعات مع بعض المستثمرين والشركات بشأن تنفيذ الالتزامات التعاقدية وأداء المستحقات المالية. وإذا كانت هذه الادعاءات تستوجب التحقق من صحتها عبر المساطر القانونية، فإنها تفرض، في المقابل، تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة، سواء من طرف الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي أو السلطات الرقابية والقضائية، قصد الوقوف على حقيقة ما يجري، وحماية حقوق جميع الأطراف. فنجاح ورش التقنين لن يقاس فقط باستقطاب الاستثمارات، بل أيضاً بمدى احترام المستثمرين لالتزاماتهم تجاه المزارعين، وترسيخ الثقة في هذا المشروع الوطني. كما أن أي إخلال بالعقود أو تأخير غير مبرر في أداء المستحقات، إذا ثبت، من شأنه أن يهدد مصداقية هذا الورش التنموي، ويقوض الأهداف التي أُطلق من أجلها، وفي مقدمتها إنصاف الفلاح، وتعزيز التنمية المحلية، وترسيخ اقتصاد قانوني يقوم على الشفافية والإنصاف وسيادة القانون.






