سياسة

عبد الإله بنكيران.. “تاجر” المبادئ و “المستغل” للفقراء في رحلته البحثية عن “صوت” إنتخابي

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تعود لغة القرب من الفئات الهشة إلى واجهة المشهد السياسي، كما حدث خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها عبد الإله بنكيران إلى مدينة آسفي، حيث ظهر في لقاءات مباشرة مع مواطنين من الفئات البسيطة، في مشهد يقدّمه أنصاره باعتباره امتداداً لخطاب “الدفاع عن المستضعفين”، بينما يراه منتقدوه توظيفاً سياسياً لوضع اجتماعي هش.

خطاب “الترافع” في مواجهة أسئلة المصداقية

خلال هذه الزيارة، أعاد بنكيران التأكيد على فكرة “الترافع من أجل استرجاع الدعم” لسيدة عجوز و رجل كفيف، في إشارة إلى السياسات الاجتماعية المرتبطة بصندوق المقاصة. غير أن هذا الخطاب يثير تساؤلات لدى عدد من المتتبعين، بالنظر إلى التجربة الحكومية التي قادها ما بين 2011 و2017، والتي عرفت اتخاذ قرارات مفصلية في هذا المجال.

فخلال تلك المرحلة، أقدمت الحكومة التي كان يقودها على إصلاح نظام المقاصة، من خلال تقليص دعم عدد من المواد، وعلى رأسها المحروقات سنة 2015، في إطار ما قُدّم آنذاك كخيار إصلاحي يهدف إلى تقليص عجز الميزانية وتوجيه الدعم نحو الفئات المستحقة.

تحرير المحروقات… قرار مثير للجدل

يُعد قرار تحرير أسعار المحروقات من أبرز محطات تجربة حزب العدالة والتنمية في تدبير الشأن الحكومي. هذا القرار أنهى نظام التسقيف، وفتح المجال أمام تحديد الأسعار وفق آليات السوق، وهو ما اعتبرته الحكومة آنذاك إصلاحاً ضرورياً.

غير أن هذا التوجه ظل محل انتقاد مستمر، إذ يرى عدد من المحللين أنه ساهم في تقلب الأسعار وارتفاعها في فترات معينة، ما انعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل غياب آليات رقابة فعالة على السوق.

بين الإصلاحات الاقتصادية والتكلفة الاجتماعية

لا يمكن قراءة تجربة بنكيران الحكومية بمعزل عن السياق الاقتصادي الذي عرفه المغرب خلال تلك الفترة، والذي اتسم بضغط مالي وارتفاع كلفة الدعم. غير أن التحدي، بحسب العديد من الخبراء، كان دائماً في تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الهشة.

وفي هذا الإطار، يرى منتقدو بنكيران أن السياسات المعتمدة ركزت على الجانب المالي أكثر من الاجتماعي، ما أدى إلى تحميل جزء من كلفة الإصلاح للطبقات المتوسطة والفقيرة، وهو ما لا يزال حاضراً في الذاكرة الجماعية.

عودة الخطاب الاجتماعي… هل تقنع الناخبين؟

العودة الحالية إلى خطاب “الدفاع عن الفقراء” تضع عبد الإله بنكيران أمام اختبار المصداقية، خاصة أن الناخبين باتوا يقارنون بين الوعود الانتخابية والتجارب السابقة في الحكم.

ففي الوقت الذي يحاول فيه استعادة موقعه في المشهد السياسي، يواجه بنكيران إرثاً حكومياً ثقيلاً، يتطلب تقديم إجابات واضحة حول التناقض بين الخطاب الحالي والقرارات السابقة.

مشهد انتخابي مفتوح على كل الاحتمالات

ما جرى في آسفي يعكس بداية مرحلة سياسية تتسم بعودة قوية للخطابات الاجتماعية، لكن أيضاً بارتفاع منسوب النقد والمساءلة من طرف الرأي العام.

وبين من يرى في تحركات بنكيران محاولة لاستعادة الثقة، ومن يعتبرها توظيفاً انتخابياً لواقع اجتماعي صعب، يبقى الحسم في يد الناخب، الذي بات أكثر وعياً بتفاصيل التجارب الحكومية وأكثر ميلاً لربط الخطاب بالممارسة.

إن عودة عبد الإله بنكيران إلى الواجهة من بوابة القرب الاجتماعي تعكس دينامية انتخابية متوقعة، لكنها في الآن ذاته تفتح نقاشاً أعمق حول العلاقة بين الخطاب السياسي والذاكرة الجماعية.

ففي سياق يتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية مستمرة، لم يعد الرهان فقط على قوة الخطاب، بل على القدرة على إقناع الناخبين بجدوى الاختيارات السابقة ومصداقية الوعود المستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى