سياسة

ملف الأحد: التملق والتزلف و “لحيس لكابا”.. سرطان صامت يهدد المغرب أكثر من الأعداء

ملف الأحد من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي

في خضم انخراط المغرب في مشاريع استراتيجية كبرى، استعداداً لمغرب 2030 واحتضان كأس العالم 2030، يواجه الوطن أخطاراً صامتة تنخر جسده من الداخل، أشد خطورة من أي تهديد خارجي. هذه الأخطار لا تتمثل في الخصوم ولا في المؤامرات، بل في آفة التملق والتزلف والنفاق الاجتماعي والسياسي، التي باتت ثقافة رائجة تقوّض قيم المسؤولية وتمنح غطاءً للفساد والرداءة.

لقد تحول “لحيس الكابا”، كما يقال في التعبير الشعبي، إلى ممارسة يومية لفئة من المواطنين والنخب. فبدل أن يكون العمل والكفاءة والجدية هي السلم الحقيقي للنجاح، صار التزلف وسيلة للارتقاء الاجتماعي، والمديح الأجوف بوابة للاقتراب من دوائر النفوذ. وبذلك، يجد الفاشلون والمفسدون من يزين لهم عجزهم، ويمنحهم شرعية اجتماعية زائفة.

التملق أخطر من الفساد

قد يبدو أن الفساد المالي والإداري هو العدو الأول للتنمية، لكن التملق أخطر منه بكثير، لأنه يمهد الطريق للفساد ويبرره. فالمسؤول الفاشل إذا وُوجه بنقد صريح قد يتراجع أو يُحاسب، أما إذا أحاط به جيش من المنافقين، فإنه يستمر في الخطأ مقتنعاً بأنه ينجز ويبدع.

هكذا يصبح المديح سلاحاً خطيراً، يحول الفشل إلى “إنجاز”، ويحول الفاسد إلى “رجل المرحلة”. والنتيجة أن المؤسسات تضعف، والكفاءات تهمش، بينما يترقى أصحاب الوجوه الباسمة والخطابات المنمقة.

جمعيات الابتزاز.. واجهات تحمي الفساد

من أخطر مظاهر هذه الآفة أيضاً، انتشار جمعيات ترفع شعار المجتمع المدني و الحقوقي بينما هي في الواقع أدوات ابتزاز. هذه الجمعيات تتحرك عند الحاجة لمهاجمة مؤسسة أو الدفاع عن مسؤول، ليس بدافع المصلحة العامة، بل طمعاً في دعم مالي أو مكاسب مجهولة.

الأمثلة عديدة: في بعض المدن كفاس و مراكش، ظهرت جمعيات تلمع صورة مسؤولين متابعين قضائياً أو معزولين بقرارات وزارية و مؤسساتية، بينما تصمت عن قضايا الفساد الحقيقية. بل إن بعضها يحوّل قضايا جوهرية، مثل  تسيير المرافق العمومية، إلى مادة للمساومة: مدح مقابل مكسب، أو هجوم عند الحرمان.

بهذا السلوك، يتحول المجتمع المدني من رافعة إصلاح إلى ذراع تواطؤ مع المفسدين. بدل أن يكون صوت المواطن، يصبح أداة في يد شبكات تبحث عن الريع وتعيد إنتاج نفس الرداءة.

المواطن شريك في الجريمة

المسؤولية لا تقع على المسؤولين وحدهم. فالمواطن نفسه يتحمل نصيباً من هذا الخطر. عندما يُعفى عامل أو والٍ أو سمؤول قضائي أو امني  أو مدير مؤسسة بسبب فشله، يُفترض أن يُعتبر عبرة. لكن ما نراه هو العكس: مظاهر التزلف تستقبله بالمديح، وتُكتب عنه مقالات تمجيد في منصات التواصل وكأنه “شهيد المحاسبة”.

لقد رأينا في أكثر من مناسبة مسؤولين أقالتهم وزارة الداخلية ووزارة العدل و إدارة الأمن الوطني ضمن سياسة ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنهم عادوا بعد أيام محاطين بالمداحين، وكأن الإعفاء وسام شرف. هذه الثقافة خطيرة، لأنها تقوض معنى المحاسبة، وتبعث رسالة مشؤومة مفادها أن الفشل لا يُعاقب بل يُحتفى به.

التزلف في المؤسسات.. قرارات على مقاس الولاء

الأدهى أن هذه الثقافة لم تبق في الشارع أو الجمعيات فقط، بل تسربت إلى المؤسسات نفسها. في إدارات وجماعات ترابية كثيرة، لم يعد معيار الترقية هو الكفاءة بل القدرة على التملق. الموظف الناقد الجاد يُقصى ويُصنف مشاغباً، بينما يترقى من يحترف لغة المديح والتزلف.

النتيجة أن القرارات تُصاغ لإرضاء مسؤولين أعلى لا لخدمة المصلحة العامة. المشاريع تُختزل في تقارير مزخرفة، والواقع يبقى على حاله. هكذا يترسخ النفاق المؤسسي، حيث يصبح الولاء بديلاً عن الكفاءة، والمديح بديلاً عن النتائج.

خطاب الملك.. نهاية زمن التملق

غير أن المعادلة تغيرت بشكل جوهري مع خطب جلالة الملك الأخيرة، التي أكدت بوضوح أن أي مسؤولية تعني محاسبة، وأن زمن الإفلات من العقاب ولى. هذه الرسالة الملكية جعلت جل المسؤولين اليوم وجهاً لوجه مع منطق جديد: إما خدمة الوطن بكفاءة وشفافية، أو الرحيل.

في ظل هذا الخطاب الحاسم، تتكشف حقيقة المتملقين وجمعيات “لحيس الكابا”. هؤلاء الذين كانوا يزينون الفشل، وجدوا أنفسهم في مأزق، لأن معيار البقاء لم يعد المديح، بل النتائج الملموسة. وبذلك، يتضح أن النفاق لم يعد ينفع، وأن زمن المجاملات الفارغة انتهى.

نحو ثورة قيمية

ورش الإصلاح في المغرب لن يكتمل بالقوانين والبنيات التحتية وحدها. المطلوب ثورة قيمية تعيد الاعتبار للجدية والصدق والنقد البناء. يجب أن يُشجع المواطن الجريء الذي يفضح الخلل، لا أن يُقصى. ويجب أن تُجفف منابع الريع التي تغذي جمعيات الابتزاز، حتى يعود المجتمع المدني إلى وظيفته الأصلية: مراقبة السلطة والدفاع عن المصلحة العامة.

الخطر من الداخل لا من الخارج

المغرب اليوم قوي بفضل استقراره ومشاريعه الاستراتيجية، لكنه مهدد من الداخل بفضل شبكة المنافقين والمتزلفين الذين يعرقلون الإصلاح. هؤلاء لا يحملون سلاحاً، لكنهم يزرعون الرداءة ويحمون الفشل.

التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تسقط بضربات الأعداء، بل تنهار عندما ينخرها النفاق والفساد من الداخل. وإذا لم تُواجه هذه الآفة بحزم، فإن أي حلم لمغرب 2030 سيظل مهدداً، مهما بلغت قوة المشاريع الكبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى