قضايا

القضاء يواصل التحقيق مع 21 متهماً في ملف حادثة انهيار عمارة بفاس ومقتل 22 شخصاً.. شبكة خروقات تضع منتخبين ومسؤولين في قفص المساءلة

تتواصل فصول واحدة من أخطر القضايا التي هزّت الرأي العام بمدينة فاس، حيث يواصل القضاء تعميق التحقيق في ملف انهيار عمارتين سكنيتين بحي المسيرة، وهي الفاجعة التي أودت بحياة 22 شخصاً وخلفت 16 مصاباً، في مشهد مأساوي أعاد إلى الواجهة أعطاب قطاع التعمير ومسؤوليات المتدخلين فيه.

وفي هذا السياق، حدد قاضي التحقيق بالغرفة الأولى بمحكمة الاستئناف بفاس يوم 5 ماي المقبل موعداً لانطلاق التحقيق التفصيلي مع 21 متهماً، في خطوة مفصلية لكشف خيوط هذا الملف الثقيل، الذي بات يُهدد بكشف شبكة معقدة من التواطؤات والتجاوزات.

قرار قاضي التحقيق جاء حازماً، حيث تم إيداع 8 أشخاص السجن المحلي بوركايز رهن الاعتقال الاحتياطي، في مقابل متابعة 13 آخرين في حالة سراح مؤقت، ضمنهم أسماء بارزة في تدبير الشأن المحلي.

وتشمل لائحة المعتقلين ملاك العمارتين المنهارتين، إلى جانب موظفين جماعيين وأعوان سلطة ومقاولين، يُشتبه في تورطهم في سلسلة من الخروقات الخطيرة التي مهدت لوقوع الكارثة.

في المقابل، أثارت لائحة المتابعين في حالة سراح جدلاً واسعاً، بعدما ضمت رئيس مقاطعة زواغة بنسودة إسماعيل الجاي، المنتمي إلى حزب الاستقلال، إلى جانب نائبه الأول المكلف بالتعمير، وعدد من المنتخبين والمهندسين والكتاب العموميين، ما وضع المسؤولية السياسية في قلب النقاش العمومي.

المعطيات الأولية التي كشفتها التحقيقات التقنية والقضائية، رسمت صورة صادمة عن واقع التعمير، حيث تم تسجيل خروقات جسيمة، من بينها تشييد طوابق إضافية دون ترخيص، واستعمال مواد بناء مستعملة وضعيفة الجودة، فضلاً عن تفويت “حق الهواء” بطرق غير قانونية.

ولم تقف التجاوزات عند هذا الحد، بل كشفت الأبحاث أيضاً عن تحرير عقود بيع خارج الإطار القانوني، وتسليم شواهد السكن دون احترام المساطر المعمول بها، في مؤشر واضح على وجود اختلالات عميقة، بل وشبهات تواطؤ داخل دواليب الإدارة المحلية.

أمام هول الفاجعة وخطورة المعطيات، تدخلت سلطات ولاية جهة فاس-مكناس بشكل مباشر، حيث أشرف والي الجهة على تتبع هذا الملف عن كثب، في خطوة تؤكد أن القضية لم تعد مجرد حادث عرضي، بل ملفاً ذا أبعاد بنيوية.

وفي هذا الإطار، تم تكليف المفتشية العامة لوزارة الداخلية بفتح تحقيق إداري شامل، موازاة مع التحقيق القضائي الذي تشرف عليه النيابة العامة المختصة بفاس، بهدف تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات.

القضية فجّرت موجة غضب واسعة، خاصة في ظل اتهامات صريحة لعدد من المنتخبين بالتقاعس أو التواطؤ، في مراقبة قطاع حساس كالتعمير، يُفترض أن يخضع لضوابط صارمة.

الانتقادات لم تقتصر على المسؤولين الحاليين، بل امتدت إلى رؤساء سابقين، يُحمّلهم متتبعون جزءاً من المسؤولية، بسبب تراكم الاختلالات وغياب الصرامة في فرض القانون، ما سمح بتحول أحياء سكنية إلى قنابل موقوتة.

مع اقتراب موعد الاستنطاق التفصيلي، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة التحقيق على الوصول إلى كافة المتورطين، دون استثناء أو انتقائية، خاصة في ظل حساسية الملف وتشعبه.

فالرأي العام اليوم لا يطالب فقط بإدانة المنفذين المباشرين، بل بكشف كل من ساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صناعة هذه الكارثة، سواء عبر التوقيع، أو الصمت، أو التغاضي.

حادثة انهيار عمارات فاس لم تعد مجرد ملف قضائي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يشكل أحد أعمدة الحكامة في المغرب.

وبين دموع الضحايا وانتظار العدالة، يبقى الأمل معقوداً على أن يشكل هذا الملف نقطة تحول حقيقية، تقطع مع الإفلات من العقاب، وتعيد الاعتبار لهيبة القانون، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي في مدن أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى