العيون تختزل التحول الكبير… زيارة دبلوماسية ورسائل اقتصادية تعيد رسم ملامح الشراكة المغربية الفرنسية

في خطوة تحمل دلالات سياسية ودبلوماسية عميقة، قام السفير الفرنسي بالمغرب Christophe Lecourtier بزيارة رسمية إلى مدينة العيون، قلب الصحراء المغربية، على رأس وفد فرنسي، للمشاركة في تدشين المدرسة الفرنسية الجديدة “بول باسكون”. هذه الزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية في أجندة دبلوماسية عادية، بل جاءت لتؤكد بوضوح أن الأقاليم الجنوبية أصبحت جزءًا من معادلة التعاون الثنائي بين France وMorocco، ورسالة سياسية ضمنية تعكس تحولًا تدريجيًا في مقاربة باريس لملف الصحراء المغربية، في اتجاه دعم واضح لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية.
فالعيون، باعتبارها إحدى أكبر مدن الصحراء المغربية وأكثرها دينامية، تحولت خلال هذه الزيارة إلى منصة دبلوماسية مفتوحة على المستقبل، حيث بدا جليًا أن باريس لا تنظر إلى هذه الأقاليم باعتبارها هامشًا جغرافيًا، بل باعتبارها فضاءً استراتيجيًا واعدًا للاستثمار والشراكة، خصوصًا في مجالات التعليم والبنية التحتية والتنمية البشرية، وهو ما يعزز فرضية انخراط فرنسي متزايد في دعم التنمية بالأقاليم الجنوبية.
وتأتي هذه الزيارة في سياق سياسي متزامن مع قرار الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron تعيين السفير الحالي بالمغرب Christophe Lecourtier في منصب المدير العام للوكالة الفرنسية للتنمية Agence Française de Développement، ابتداءً من 11 ماي المقبل، خلفًا لريمي ريوكس، في خطوة تعكس بوضوح إعادة توجيه البوصلة الفرنسية نحو تعزيز البعد الاقتصادي في العلاقات مع الرباط، وربط الدبلوماسية بالتنمية كأداة استراتيجية جديدة.
هذا القرار لم يكن معزولًا عن سياقه، بل جاء تتويجًا لمسار من إعادة بناء الثقة بين البلدين بعد فترة من الفتور السياسي، حيث لعب لوكورتييه نفسه دورًا محوريًا خلال فترة توليه منصب سفير فرنسا في الرباط منذ نهاية 2022، في إعادة تفعيل قنوات الحوار وترميم العلاقات الثنائية على أسس أكثر براغماتية وواقعية، تقوم على المصالح المشتركة بدل التوترات الظرفية.
وتُقرأ هذه التحركات المتسارعة في اتجاه واحد واضح: انتقال العلاقة المغربية الفرنسية من مرحلة التردد السياسي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية المعمقة، حيث لم يعد التعاون مقتصرًا على الأطر التقليدية، بل أصبح يشمل ملفات كبرى تتعلق بالطاقة، الاستثمار، التعليم، والتنمية الترابية، مع انفتاح متزايد على الأقاليم الجنوبية للمملكة باعتبارها فضاءً واعدًا للمشاريع المستقبلية.
كما أن تدشين مؤسسة تعليمية فرنسية في العيون يحمل في طياته بعدًا رمزيًا مهمًا، يعكس حضور فرنسا في الفضاء التربوي والثقافي داخل هذه الأقاليم، ويؤشر على توجه فرنسي نحو تعزيز روابطه مع الجيل الجديد من المغاربة في الجنوب، في إطار رؤية طويلة الأمد تقوم على تثبيت التعاون الثقافي كمدخل لتعزيز الشراكة الاستراتيجية.
وفي خلفية هذا الحراك الدبلوماسي، تتضح ملامح مقاربة فرنسية جديدة تجاه ملف الصحراء المغربية، تقوم على دعم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع، وهو ما يترجم عمليًا من خلال تكثيف الزيارات الرسمية، وتعزيز المشاريع التنموية، وتشجيع حضور الشركات والمؤسسات الفرنسية في الأقاليم الجنوبية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانخراط الاقتصادي المباشر.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن العيون لم تعد مجرد مدينة في الجنوب المغربي، بل أصبحت اليوم نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل العلاقات المغربية الفرنسية، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الاقتصاد، وتلتقي السياسة مع التنمية، في إطار رؤية مشتركة تسعى إلى بناء شراكة أكثر توازنًا وعمقًا بين الرباط وباريس.
إن ما يجري اليوم بين Morocco وFrance لا يمكن قراءته إلا كمرحلة إعادة صياغة شاملة للعلاقات الثنائية، عنوانها الأبرز انتقال فرنسا من موقع المتردد إلى موقع الشريك الفاعل، ومن الدبلوماسية التقليدية إلى الانخراط التنموي المباشر، حيث تبدو الأقاليم الجنوبية للمملكة بوابة استراتيجية لمستقبل هذه الشراكة المتجددة.






