تمظهرات سلبية تنجلي مع رجال السلطة و خزي المتزلفون يشعل الانتقادات

ما حدث في عيد الأضحى الأخير ليس مجرد “واقعة بروتوكولية” عابرة، بل صورة مكثفة لاختلال عميق في فهم السلطة ومكانتها ووظيفتها. فالواليان، أحدهما في مراكش والآخر في فاس، قررا عن سبق نية وإصرار، خرق الإهابة الملكية التي دعت إلى الامتناع عن نحر الأضاحي، وأقاما طقسًا استعراضيًا يشبه – عن قصد أو دون قصد – ما يقوم به أمير المؤمنين، في لحظة رمزية لا تُنازع ولا يُقلَّد فيها الملك.
مشاهد مصورة تم تعميمها، نُحرت فيها الأضاحي على مرأى الجميع، وأُخرجت بكامل الكاميرات والزوايا. أحدهم نقل الكبش في سيارة، والآخر أعاد إحياء طقس مخزني قديم بنقله على ظهر حصان، في استعراض فولكلوري يبعث على الأسى لا الفخر. كل ذلك تحت ذريعة واهية: “ذبحنا عن ساكنة المدينة”. وكأن الذبيحة الملكية لم تكن تشمل المغاربة كافة، بما فيهم هما.
هذا ليس اجتهادًا، هذا خرق جسيم. ومن يحكم بإهابة ملكية، لا يُجتهد في مواجهته بل يُنضبط.
لكن الكارثة لم تقف هنا.
فبمجرد أن تصاعد خرج المغاربة الشرفاء يصفقون لقرارات الردع وانه لا شخص فوق القانون و ان جلالة الملك اقر بربط المسؤولية بالمحاسبة ،و في نفس السياق تنامي الغضب الشعبي والانتقادات الحقوقية والإعلامية، برزت من تحت الرماد فئة المتملقين القدامى، أولئك المنتفعين من ريع الولاءات، من باعة الكلمات الجوفاء وأصحاب جمعيات الصالونات، فانبروا فجأة لإعداد رسالة استعطاف إلى الديوان الملكي، يطالبون فيها بالعفو عن الواليين المخالفَين، وكأننا أمام جلسة شعرية في “سوق عكاظ”، لا أمام مؤسسات تحكمها القوانين والدستور.
هذه الرسالة، التي وقّع عليها بعض من ألفوا الركوع في حضرة السلطة و الاستفادةمن الريع ، ليست فقط تجاوزًا للمنطق المؤسسي، بل تشكل وقاحة رمزية، حيث يُراد تمرير العفو وكأنه منحة شخصية، لا قرارًا سياديًا مرتبطًا بالحكمة والمصلحة العامة. وهكذا، بدل إطفاء الحريق، زاد هؤلاء “الزجّالون الجدد” في تأجيجه. فهم، بتملقهم، يرسلون رسالة مضادة: أن لا أحد يُحاسب، وأن الانبطاح قد يشفع للخطيئة.
ولم يكن مشهد عيد الأضحى سوى رأس جبل جليد يكشف تآكلاً أكبر داخل مفهوم السلطة. إذ بدأنا نلاحظ اجتهادات غريبة تسللت إلى عقل بعض رجالها. في مكناس، مثلاً، وتحديدًا في باشوية ويسلان، قرر الباشا أن يصلي في الصف الأمامي رفقة القياد والاعيان و المنتخبون ، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل أمر بوضع حواجز حديدية تفصل بينه وبين عامة المصلين. مشهد يبعث على القشعريرة، لأننا لم نعد فقط أمام نخب معزولة، بل أمام نخبة تصلي وراء الحواجز، وكأن طهارتهم من نوع خاص لا يحتمل قرب المواطنين.

فهل هذا فهم جديد للسلطة؟ أم طقوس جديدة للفرز الطبقي حتى داخل بيوت الله؟
وهذا ليس استثناء، بل نمط متكرر. حفلات التكريم الباذخة التي تُنظم بلا مناسبة، كلمات الإطراء المدفوعة من أموال مشبوهة، تكريم قياد وباشوات وعمال بهدايا مصدرها منتخبون نصفهم متورط في قضايا الفساد والنصف الآخر ينتظر دوره… أصبحنا نعيش زمن “سلطة تُكرَّم بدل أن تُحاسب”، وتُصفق لها جوقة من المنتفعين والمنافقين لا ضمير لهم ولا مبدأ.
أما من يفترض أنهم ينفذون القانون، فقد اختار بعضهم أن يظهروا أمام الكاميرات مصورين حملات تحرير الملك العمومي، وكأنهم ينجزون معجزات. الحقيقة أن تلك الفيديوهات لا توثق شجاعة السلطة، بل توثق تأخرها وغيابها طيلة سنوات، لأن الاحتلال لم يبدأ أمس، بل نشأ في صمت السلطة وسكوتها وتغاضيها المتواطئ.
ومع استمرار عمليات الهدم والتحرير في جهات المملكة ، بدأت التقارير تكشف عن فضائح “غدر ضريبي” بالمليارات، حيث لم يُؤدِّ المحتلون درهمًا واحدًا لسنوات، والسلطات تغض الطرف، بل وتستفيد في بعض الحالات.
هكذا تدار بعض أجزاء هذا الوطن: تعليمات تُخرق، قانون يُنتقى، وهيبة تُنحر، ومخالفات تُجمَّل. وبين هذا وذاك، تخرج جوقة المستعطفين تترجى العفو وكأن الدولة مزرعة خاصة، لا مؤسسة تُبنى على المحاسبة والعدالة.
فهل نحن فعلاً بصدد “مفهوم جديد للسلطة” لم يُعلن عنه بعد؟ أم بصدد تآكل بطيء في معاني الانضباط والمسؤولية، يتم تغليفه بالكاميرات والجوائز والرسائل المنمقة؟






