سياسة

وهبي يجسد التوجيهات الملكية لإنهاء “فوضى الشكايات” وتحصين الملاحقات الجنائية

بمباركة من التوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى إصلاح شامل وعميق لمنظومة العدالة، يدخل المغرب يوم الغد الإثنين (8 دجنبر 2025)، مرحلة تاريخية فارقة مع بداية العمل بـ القانون الجنائي الجديد ومشروع قانون المسطرة الجنائية 03.23. هذه الإصلاحات، التي ترافع عنها بقوة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، لا تهدف فقط إلى تحديث النصوص، بل إلى إرساء فلسفة قانونية جديدة تعزز الأمن القانوني وتضع حداً لـ “فوضى الشكايات” الكيدية و القطع مع محاولة توظيف القضاء من طرف التيارات  في تصفية الحسابات السياسية والشخصية.

 الترافع السياسي لوزير العدل: حماية السياسي والمواطن

لقد كان الوزير عبد اللطيف وهبي صوت الحكومة الأقوى في الدفاع عن هذه التعديلات المثيرة للجدل. تركيزه انصب على ضرورة “عقلنة التبليغ”، مؤكداً أن الممارسة العملية أثبتت تحوّل الشكايات والوشايات إلى أداة ابتزاز أو إيقاع بالمسؤولين ورجال الأعمال، وهو ما يهدد المناخ السياسي والاقتصادي.

تبرز تصريحات وهبي هذه الرؤية:

“دوري أن أحمي السياسي إلى أن يثبت العكس (فساده).”

هذا الموقف يعكس التزاماً بتحصين مبدأ قرينة البراءة وجعله قاعدة لا تُخرق إلا بوجود أدلة قوية ومؤسساتية. الهدف هو منع عزوف الكفاءات عن تولي المسؤوليات العمومية خوفاً من الملاحقات الكيدية أو التشهير الإعلامي غير المؤسس. إنها خطوة نحو ضبط وتأطير السياسة الجنائية بمسؤولية أكبر.

 قيود مؤسساتية: إنهاء زمن الشكوى المباشرة في المال العام

يأتي التغيير الأبرز في المادة 3 من مشروع المسطرة الجنائية ليضع قيوداً صارمة على من يحق له تحريك الدعوى العمومية في جرائم الفساد. هذه المادة أغلقت الباب أمام الشكاوى المباشرة من الأفراد أو الجمعيات، وحصرت المتابعة في مسطرة رسمية ممركزة:

الجهة المخولة بتحريك المتابعة الأساس القانوني للتحريك الدور المحوري
الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض (رئيس النيابة العامة) بصفته رئيسًا للنيابة العامة ومركزاً لقرار المتابعة. ضمان مركزية القرار القضائي واستقلاليته عن الضغوط.
المجلس الأعلى للحسابات بناءً على تقاريره الافتحاصية المُدققة. تفعيل الدور الدستوري للهيئة العليا للرقابة المالية.
المفتشية العامة للمالية والإدارة الترابية بناءً على تقاريرها المشفوعة بالأدلة. إدماج أدوات الرقابة الإدارية في مكافحة الفساد.
الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة بناءً على إحالتها وتقاريرها المتخصصة. تفعيل دور هيئات الحكامة كمصفاة أولى للأدلة.

 هذا الحصر يضمن أن تفتح ملفات الفساد فقط بناءً على تقارير رسمية، مُدققَة ومُعلَّلة صادرة عن هيئات رقابية متخصصة، وهو ما يقطع الطريق على “الملفات الملفقة” والادعاءات العارية عن الصحة، ويعزز من جودة الأبحاث الجنائية.

تنظيم عمل الجمعيات: ترخيص يضبط الانزلاق

لم تسلم الجمعيات المعنية بمكافحة الفساد من هذه الإجراءات التقييدية. فقد جاء القانون ليُلزمها بـ شروط جديدة عند الرغبة في الانتصاب كطرف مدني، ومن أبرزها:

  1. الحصول على صفة المنفعة العامة.

  2. الحصول على إذن مسبق بالتقاضي من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل (وزارة العدل).

  3. شرط الأقدمية (4 سنوات من التأسيس على الأقل).

هذه الآلية، التي يصفها وهبي بأنها ضرورية لمنع “الانزلاقات” والاستغلال الإعلامي أو السياسي، تهدف إلى تنقية فضاء التقاضي والتحقق من أن الجمعيات لا تستغل القضاء لأجندات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.

 استثناء التلبس: توازن بين الضبط والسرعة

رغم كل القيود المؤسساتية، حافظ المشرّع على عنصر حيوي لضمان عدم شلّ مكافحة الفساد، وهو استثناء التلبس.

إذا ضُبطت جريمة تبديد أو اختلاس أو رشوة في حالة تلبس، يمكن للنيابة العامة التحرك فوراً لفتح الأبحاث والمتابعات، دون انتظار أي تقرير رقابي أو إذن مسبق.

هذا التوازن يضمن أن القانون الجديد ليس معطلاً لمكافحة الفساد، بل هو مُنظِّم ومُؤطِّر لها، مما يُبقي قدرة القضاء على التدخل السريع والقوي قائمة ضد أي خرق مباشر للقانون.

عدالة تفتح مرحلة “المسؤولية المؤسساتية”

إن دخول هذه المقتضيات حيز التنفيذ يعدّ خطوة متقدمة نحو إرساء عدالة جنائية حديثة ومسؤولة، تأتي استجابة للإرادة الملكية في إصلاح عميق يتجاوز الترقيع. القانون الجديد يطوي مرحلة الشكايات العشوائية، ويفتح أخرى أساسها: الضبط، الشفافية، والمسؤولية المؤسساتية.

لقد أصبح العبء الآن على كاهل الهيئات الرقابية والمفتشيات لكي تواكب هذا الدور المحوري الجديد بـ “قوة الإثبات” و**”دقة المعطيات”**، لضمان أن تبقى الملاحقات الجنائية للفساد قوية وفعالة، لكن بمقاييس مهنية وعادلة.

تحت الرعاية الملكية… تحصين العدالة وجهود المسؤولين

إن إرساء هذه المرحلة الجديدة من العدالة لم يكن ممكناً لولا الضامن الأسمى لاستقلال القضاء وحقوق المواطنين، جلالة الملك محمد السادس، الذي وضع ضمانات العدالة في صدارة الأجندة الوطنية. وتحت هذه الرعاية الملكية، يضطلع قُطبا المنظومة القضائية بمسؤولية الإشراف على تنزيل الإصلاحات: محمد عبد النباوي، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يسهر على ضمان استقلال القضاء وتجويد عمله، و هشام بلاوي، رئيس النيابة العامة، المعروف بنزاهته ويقظته، والذي يقود جهود تحريك الدعوى العمومية بمسؤولية تامة وفقاً للضوابط الجديدة. وفي خضم هذا التحول، برز دور وزير العدل،  عبد اللطيف وهبي، الذي ناضل بشجاعة سياسية من أجل إخراج القانون الجديد إلى حيز الوجود. لقد خاض وهبي معركة ضارية للدفاع عن “عقلنة التبليغ” ضد “حروب ودسائس وضربات تحت الحزام” التي وُجّهت له، ليثبت أن الإرادة السياسية الراسخة، المدعومة بالتوجيهات الملكية، قادرة على تجاوز العراقيل وتحصين العدالة من أي استغلال أو انحراف، ضامناً بذلك مبدأ “القانون فوق الجميع”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى