مستجدات القانون الجنائي: المادة 108 وتأطير التقاط الاتصالات.. حماية الخصوصية أم ضرورة البحث؟

دخل حيز التنفيذ بتاريخ 8 دجنبر 2025 القانون رقم 03.26، المتمم والمغير للقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، والذي أثار اهتماماً واسعاً نظراً للتعديلات الجوهرية التي أدخلها، خاصة فيما يتعلق بمسألة التقاط الاتصالات المنجزة بوسائل التكنولوجيا الحديثة.
يأتي في صلب هذه التغييرات المادة 108، التي تعد أطول مادة في القانون الجديد، وتحمل عنوان: “التقاط المكالمات والاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وباقي أشكال الاتصالات الإلكترونية”.
المادة 108: حظر استثناءي بتفويض قضائي
تؤكد المادة 108 في صيغتها الجديدة على المبدأ العام بالحظر المطلق لالتقاط وتسجيل أو نسخ الاتصالات عن بعد والاتصالات الإلكترونية، حفاظاً على حرمة الحياة الخاصة وسرية المراسلات.
إلا أن المادة تسمح بالاستثناء، شريطة أن تقتضي ذلك ضرورة التحقيق والبحث، وأن يكون بناءً على إذن قضائي مسبب.
النقاط الرئيسية للتعديل:
-
السلطة الآمرة: يخول للوكيل العام للملك صلاحية التماس الإذن بالتقاط الاتصالات، سواء تلقائياً في حالة الجنايات، أو بناءً على ملتمس من وكيل الملك في حالة الجنح.
-
جرائم محددة: قيد القانون إمكانية الترخيص بالالتقاط بجرائم محددة وخطيرة، تشمل:
-
الجرائم المرتبطة بالإرهاب والعصابات الإجرامية.
-
جرائم القتل، التسميم، الاختطاف، وأخذ الرهائن.
-
جرائم المخدرات، وغسيل الأموال، والرشوة واختلاس المال العام.
-
الجرائم الماسة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات والجرائم الإلكترونية.
-
جرائم الاتجار بالبشر، والاستغلال الجنسي، والجرائم ضد الأطفال.
-
-
الرقابة القضائية: يشترط القانون إشعار الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالأمر الصادر عن الوكيل العام للملك، مع إمكانية إلغاء الرئيس الأول للإجراء.
جدل مشروعية التقاط الاتصالات: موقف فقهي وقضائي
أثار موضوع مشروعية التقاط المكالمات جدلاً فقهياً واسعاً بين فريق يرى فيه مساساً خطيراً بحقوق الأفراد وحرمة حياتهم الخاصة، وآخر يشدد على أهمية هذه الوسائل التكنولوجية في مواجهة تطور الجريمة المنظمة، مؤيداً تبنيها ضمن التشريعات الجنائية مع احترام مبادئ حقوق الإنسان.
أما محكمة النقض، فقد اتجهت في بعض قراراتها إلى اعتبار تفتيش الهواتف الشخصية دون إذن قضائي خرقاً للدستور والقانون، معتبرة أن هذه الإجراءات تعرض الحكم للنقض. في المقابل، اعتبرت المحكمة أن تسجيل شخص لمكالمة هاتفية لإثبات جريمة يتعرض لها (كالتهديد أو الابتزاز) يمكن أن يُعتبر دليلاً مقبولاً، حتى لو لم يتم وفقاً لإجراءات المادة 108.
ارتباط وثيق بحماية المعطيات الشخصية
يرتبط هذا التعديل ارتباطاً وثيقاً بالقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، مما يؤكد سعي التشريع المغربي للموازنة بين مقتضيات البحث الجنائي وحماية الحقوق والحريات الفردية في الفضاء الرقمي.
يظل القانون الجديد خطوة تشريعية مهمة لتأطير الإجراءات الاستثنائية للبحث الجنائي في ظل التطور التكنولوجي، ويضع ضوابط صارمة لضمان ألا يتم المساس بحرمة الحياة الخاصة إلا في أضيق الحدود ولخدمة العدالة.






