فاس… 12 قرناً من الإشعاع الحضاري تحتفي بالموسيقى الروحية وتعيد الاعتبار لذاكرة المعلمين

في امتداد لدورها التاريخي كحاضرة للعلم والروح والتعدد الثقافي، تستعد مدينة فاس لاحتضان الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى الروحية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 7 يونيو 2026، تحت شعار دالّ وعميق: “فاس والمعلمون: حماة الحرفة والتراث”، في احتفاء نوعي بالمعلم المغربي كحامل لذاكرة متجذرة وناقل أمين للمعرفة عبر الأجيال.
فاس… مهد الحضارات وتلاقي الديانات
ليست فاس مجرد مدينة عتيقة، بل هي فضاء حيّ يمتد عمره لأكثر من اثني عشر قرناً، حيث تشكّلت عبر العصور نقطة التقاء للحضارات، وملتقى للأديان السماوية، ومجالاً خصباً لتلاقح الثقافات. من أروقة جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم، إلى زواياها الصوفية وأسواقها التقليدية، ظلّت فاس حاضنة لروح التسامح والتعايش، ومختبراً حضارياً لتلاقح الفكر الإنساني.
هذا العمق الحضاري هو ما يمنح مهرجانها للموسيقى الروحية بعداً يتجاوز العرض الفني، ليصبح تجربة إنسانية قائمة على الحوار الروحي بين الشعوب، وتكريس قيم السلام والانفتاح.
المعلم المغربي… ذاكرة حية في قلب الإبداع
تسلّط دورة هذه السنة الضوء على “المعلم” بوصفه حجر الزاوية في صون الحرف التقليدية المغربية، سواء في الزليج أو الخشب المنقوش أو الجلد أو النسيج، حيث لا يُنظر إليه فقط كصانع، بل كحارس لذاكرة جماعية تختزن قروناً من الإبداع. ويأتي هذا التكريم في سياق وعي متزايد بضرورة حماية التراث اللامادي من الاندثار، وربطه بالدينامية الثقافية المعاصرة.
برنامج فني وفكري يعانق العالمية
تَعِد هذه الدورة ببرنامج غني ومتنوع، بمشاركة أكثر من 160 فناناً من مختلف أنحاء العالم، يقدمون 18 عرضاً فنياً موزعة على فضاءات تاريخية متعددة داخل المدينة، ما يمنح الجمهور تجربة غامرة تمزج بين الموسيقى والفضاء والتراث.
ولا يقتصر المهرجان على العروض الموسيقية، بل يتعداه إلى تنظيم لقاءات فكرية ونقاشات مفتوحة حول قضايا الهوية، التراث، والعيش المشترك، في انسجام تام مع فلسفة المهرجان القائمة على الحوار بين الثقافات.
الموسيقى الروحية… لغة كونية للتقارب
من الإنشاد الصوفي إلى التراتيل الكنسية والموسيقى الشرقية والغربية، يشكّل المهرجان منصة فريدة للقاء الأنماط الروحية المختلفة، حيث تتحول الموسيقى إلى لغة كونية تتجاوز الحدود الجغرافية والدينية، وتعيد التأكيد على المشترك الإنساني.
كما ستشهد هذه الدورة تكريماً خاصاً للعلاقات المغربية الألمانية، من خلال عروض فنية مشتركة تمزج بين الموسيقى الروحية والتعبيرات المعاصرة، في تجسيد حيّ للتبادل الثقافي الخلاق بين الشعوب.
فاس… حين تتحول المدينة إلى مسرح عالمي
خلال أيام المهرجان، تتحول فاس إلى منصة عالمية نابضة بالحياة، حيث تتقاطع الإيقاعات الروحية مع عبق التاريخ، وتلتقي الثقافات في مشهد فني وإنساني استثنائي. إنها لحظة تعيد تأكيد مكانة المدينة كعاصمة روحية وثقافية للمغرب، ووجهة عالمية للفن الهادف.
في المحصلة، لا يكتفي مهرجان فاس للموسيقى الروحية بعرض الموسيقى، بل يقدّم رؤية حضارية متكاملة، تجعل من الفن جسراً للتواصل، ومن التراث رافعة للمستقبل، ومن فاس قلباً نابضاً للحوار الإنساني عبر الزمن.






