حين تلد مقالع الحجر والتراب ذهباً لـ”الحيتان الكبيرة”.. ويخلف للساكنة الغبار والدمار بجهة فاس-مكناس

منذ عقود، وجبال وهضاب جهة فاس-مكناس لا تتوقف عن النزيف المالي والبيئي الصامت. هناك، خلف المنعطفات الجبلية والأودية المنسية، يتحول الحجر الأصم والتراب العاري إلى سبائك ذهبية تتدفق في حسابات “الحيتان الكبيرة” وبارونات الريع الذين استطاعوا لسنوات البقاء خارج نطاق المحاسبة، وبأقنعة من الحصانة غير المعلنة. هذا ليس مجرد استغلال اقتصادي لموارد طبيعية، بل هو قصف ممنهج للبيئة، واغتيال معلن لكرامة الإنسان، وتدمير شامل للبنية التحتية لقرى ومداشر تعيش تحت رحمة سحب الغبار الخانق، دون أن تنال من هذا “الذهب المتطاير” سوى الفتات، بل “صفر درهم تنمية”.
الحيتان الكبيرة في صفرو وتازة: استحواذ عابر للسنوات دون حسيب أو رقيب
تعتبر أقاليم جهة فاس-مكناس نقطاً سوداء بامتياز حين يتعلق الأمر بالاستحواذ الممنهج على مقالع الأحجار ومواد البناء. جبال إقليم صفرو التي نُحتت بالكامل وسُويت بالأرض، لم تعد ملكاً جماعياً أو ثروة وطنية تنعكس على الساكنة المحلية، بل تحولت إلى إقطاعيات خاصة لشركات وبارونات يتحكمون في السوق دون أدنى مراقبة فعلية لمدى احترامهم لدفاتر التحملات.
الوضع نفسه، بل وبنبرة أكثر مرارة وثراء، يتكرر في مقالع الرخام والأحجار الفاخرة بإقليم تازة، وتحديداً في منطقة “وادي أمليل” والمناطق المجاورة لها. هنا، تُستخرج أجود أنواع الأحجار والمواد التي تؤثث الفيلات الفاخرة والمشاريع الكبرى في الحواضر الكبرى للمملكة، لتدر ملايين الدراهم يومياً على مستغليها، بينما تظل المناطق الأصلية عارية، فقيرة، ومعزولة، كأنها خارج خارطة المغرب التنموي.
المعادلة المقلوبة: ثروات تُستنزف، بيئة تُدمر.. وصفر درهم تنمية للساكنة
يطرح المواطن والفاعل الحقوقي بجهة فاس-مكناس سؤالاً حارقاً ومشروعاً: ما الذي تستفيده الساكنة المحلية من هذا التدمير الهمجي لبيئتها؟ الإجابة الميدانية صادمة؛ لا شيء سوى الأمراض الصدرية المزمنة، وتدمير الفرشة المائية، وضجيج المتفجرات الشبيه بآلات الحرب.
القرى المحيطة بمقالع صفرو وتازة ووادي أمليل تعيش عزلة تامة؛ طرقاتها الإقليمية والجهوية مهترئة بالكامل، والمؤسسات الصحية تفتقر لأبسط شروط الاستقبال، وشبابها يعانون من البطالة المزمنة بعدما رفضت هذه الشركات حتى تشغيلهم إلا بفتات الأجور وفي ظروف تغيب عنها السلامة المهنية. إنها سرقة موصوفة للمستقبل البيئي لأجيال قادمة تُساق قسراً للعيش داخل غلاف سميك من الغبار دون أي عائد تنموي يذكر يُصلح ما أفسدته آليات البارونات.
قاطرات التدمير: شاحنات الحمولة الزائدة تدك الطرقات الوطنية والجهوية
الملف الأسود لا يتوقف داخل حدود المقلع؛ بل يمتد كالأخطبوط ليضرب على طول شبكة الطرق الوطنية، الجهوية، والإقليمية بالجهة. الشاحنات العملاقة التابعة لبارونات المقالع تتحرك بحمولات قياسية تتجاوز الأطنان المسموح بها قانوناً بشكل صارخ، ممررة أوزانها الثقيلة دون رادع حقيقي في كثير من الأحيان.
النتيجة؟ طرقات كلفت ميزانية الدولة مئات الملايين من الدراهم يتم دكها وتخريبها في ظرف أشهر قليلة من تعبيدها. تحولت الطرق المحيطة بصفرو وتازة ووادي أمليل إلى مسالك ملغومة بالحفر والانخسافات، مما يهدد سلامة مستعملي الطريق من المواطنين العاديين، ويجعل الدولة في دوامة مستمرة من إعادة الإصلاح بميزانيات تُموّل من جيوب دافعي الضرائب، فقط لخدمة أرباح فئة لا تؤدي حتى حصتها العادلة من الجبايات المحلية.
أرقام سنة 2024: تنظيم القطاع أم مجرد تغيير جلود لشركات الريع؟
أمام هذا الواقع المأزوم، تكشف المعطيات الرسمية الصادرة لسنة 2024 أن المغرب يواصل إعادة تنظيم قطاع المقالع بهدف تعزيز مراقبة استغلال الموارد الطبيعية؛ حيث تم خلال هذه السنة إغلاق 229 مقلعاً عبر التراب الوطني وفتح 457 مقلعاً جديداً للاستجابة لحاجيات البنية التحتية والمشاريع التنموية. وفي وقت تصدرت فيه جهة مراكش-آسفي قائمة المقالع المغلقة والمفتوحة، برزت أقاليم تازة، تاونات، صفرو، والحاجب بجهة فاس-مكناس ضمن المناطق التي تدفقت عليها تراخيص جديدة.
وهنا يكمن مربط الفرس وعقدة السؤال: هل فتح هذه المقالع الجديدة في تازة وصفرو والحاجب جاء فعلاً لخدمة البنية التحتية الوطنية والمحلية، أم أنه مجرد توسيع لرقعة الاستغلال لفائدة نفس “الحيتان الكبيرة”؟ إن فتح 457 مقلعاً جديداً على الصعيد الوطني وتوجيه تراخيص إضافية لأقاليم الجهة يفرض لزاماً الانتقال من منطق المراقبة الإدارية الورقية المحتشمة إلى تفعيل المحاسبة الميدانية الصارمة. إن ربط التراخيص الجديدة بـ”دعم البنية التحتية” يجب ألا يكون صكاً على بياض لمواصلة الريع وتدمير القرى وإسكان أهلها وسط الغبار والنسيان.
ملف أسود يجب أن يُفتح.. حان وقت المحاسبة وإقرار العدالة المجالية
إن إعادة تنظيم القطاع بلغة الأرقام والتراخيص تظل خطوة عقيمة ما لم تُصحب بإجراءات زجرية ميدانية تضع حداً لتغول بارونات المقالع. إن فتح مقالع جديدة في إقليم تازة أو صفرو يجب أن يخضع لمعايير صارمة أولها: ما هو العائد المالي المباشر الموجه لتنمية الجماعات الترابية المستضيفة لهذه المقالع؟ وكيف سيتم حماية الطرقات من همجية الشاحنات ذات الحمولة الزائدة؟
لقد آن الأوان لفتح تحقيق قضائي وبيئي موسع في هذا الملف الأسود بجهة فاس-مكناس. لا يمكن للمغرب وهو مقبل على تحديات وأوراش دولية كبرى، أن يقبل بوجود جيوب ريعية تستنزف الأخضر واليابس وتترك المواطن البسيط يواجه الموت البطيء اختناقاً بالغبار وتدميراً لطرقاته، فيما تبتلع حسابات الحيتان الكبيرة الذهب الأسود المستخلص من عرق الأرض وجبالها. العدالة المجالية والبيئية ليست شعاراً للمزايدة، بل هي فرض عين لضمان استقرار وكرامة سكان هذه الأقاليم!






