فاس تسير بسرعتين: شوارع “الولاية” تلمع بحكامة شركة فاس الجهة للتهيئة.. وأحياء “البقالي” تغرق في الأزبال والحفر والناموس.. أين عمدة المدينة؟

بينما يعيش المغرب على إيقاع أوراش كبرى واستعدادات حثيثة لرفع تحديات المستقبل، تبدو العاصمة العلمية فاس وكأنها محكومة بـ “انفصام تدبيري” حاد وصادم. فاس اليوم ليست مدينة واحدة، بل هي مدينتان في جسد واحد، تسيران بسرعتين متناقضتين تماماً: سرعة فائقة تقودها سلطات ولاية الجهة عبر “شركة فاس جهة للتنمية”، والتي نجحت في إعادة الروح لأكثر من 21 شارعاً رئيسياً بتهيئة نموذجية ومساحات خضراء تليق بجمالية الحواضر الكبرى، وسرعة راديكالية نحو الخلف يقودها المجلس الجماعي، الذي نجح – دون منازع – في تحويل الأحياء السكنية والأزقة الخلفية إلى مستنقعات آسنة للنفايات، وحفر عميقة، وبؤر للأوبئة والحشرات،حتى سار يطلق على فاس على أنها مدينة “متسخة” و ساكنتها تعيش وسط المستنقعات.
ومع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة التي تخنق المدينة هذه الأيام، تفجرت أزمة بيئية وهيكلية غير مسبوقة تضع عمدة المدينة، عبد السلام البقالي، في مرمى مدفعية النقد الشعبي والإعلامي. فالرجل، وبحسب متتبعي الشأن المحلي، يبدو غارقاً في عالم آخر بعيد عن أنين الساكنة؛ عالم السفريات، الحفلات، والملذات البروتوكولية، تاركاً وراءه مدينة “تنزف” بيئياً ومواطنين يكتوون بنيران الإهمال اليومي.
الأحياء الداخلية تنزف: النفايات تجتاح الأزقة والناموس يقتحم الغرف
لم يعد خافياً على أحد أن النظافة في عهد المجلس الحالي تحولت إلى عملة نادرة. ففي الوقت الذي تبرق فيه الشوارع الرئيسية التي أشرفت عليها الولاية، تعيش الأحياء الآهلة بالسكان – من بنسودة وزواغة إلى عوينات الحجاج وسيدي بوجيدة وحي طارق – وضعاً كارثياً بكل المقاييس. النفايات المنزلية متراكمة لأيام، والحاويات المكسرة تفيض بمحتوياتها وسط غياب شبه تام لعمليات التكنيس اليومي للأزقة الداخلية، مما جعل فاس تصنف اليوم، وبكل أسف، كواحدة من “أوسخ” المدن مقارنة بنظيراتها في المملكة.
هذا التراكم الفظيع للأزبال، وتزامنه مع القيظ الصيفي، فجّر معضلة صحية حقيقية؛ إذ اجتاحت جحافل البعوض و”الناموس” بيوت المواطنين بشكل هستيري. الساكنة وجدت نفسها محاصرة بين خيارين أحلاهما مر: إما إغلاق النوافذ والاختناق بحرارة الصيف، أو فتحها واستقبال أسراب الحشرات والروائح الكريهة المنبعثة من الحاويات المهملة.
مهزلة الطرقات: “ما بين حفرة وحفرة.. توجد حفرة”
ولم تتوقف لعنة التدبير الجماعي الفاشل عند حدود الأزبال، بل امتدت لتصيب شرايين الأحياء السكنية بسكتة طرقية كاملة. فالوضع داخل أحياء فاس بات كارثياً وتتحقق فيه المقولة الساخرة: “ما بين حفرة وحفرة.. توجد حفرة”. لقد تحولت طرقات الأحياء الداخلية والتجزئات السكنية إلى حلبات لـ “الرالي” الوعر، ومليئة بالمطبات والأخاديد التي تلحق خسائر مادية فادحة بعربات وسيارات المواطنين يومياً.
هذا التدهور الطرقي الفظيع يكشف بالملموس عجز المجلس الجماعي حتى عن القيام بعمليات الرقع البسيطة، مما يطرح تساؤلات حارقة: أين تبدد ميزانيات صيانة الطرق بالمدينة؟ وكيف يُعقل أن تُترك أحياء يقطنها مئات الآلاف من المواطنين تحت رحمة مسالك ترابية مهترئة وسط مدينة يفترض أنها قطب حضاري وتاريخي للمملكة؟
تراخي العمدة مع شركات النظافة: هل هو تواطؤ على حساب الساكنة؟
أمام هذا المشهد المقزز لانتشار الأزبال، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً وخطورة في الشارع الفاسي: لماذا يتخاذل العمدة عبد السلام البقالي في تطبيق دفاتر التحملات الزجرية بحق شركات النظافة المفوض لها تدبير القطاع؟ إن التراخي الفاضح والمريب للمجلس الجماعي في مراقبة هذه الشركات، والتغاضي عن نقص الحاويات وغياب شاحنات الكنس والجمع بانتظام، لم يعد مجرد تقصير إداري عادي، بل بات يراه الكثير من المتتبعين كـ “شبهة تواطؤ صريح” على حساب جيوب وكرامة الساكنة.
المواطنون يؤدون ضرائبهم بانتظام، والشركات تلتهم الملايير من ميزانية الجماعة، والنتيجة صفر نظافة! هذا الصمت المطبق من طرف العمدة يثير علامات استفهام كبرى حول طبيعة العلاقة التي تربطه بهذه الشركات، ولماذا تُحمى مصالح الشركات وتُداس حقوق الساكنة في بيئة نظيفة وسليمة؟
و اليوم إتضح جليا أن خروج العمدة البقالي يوم عيد الأضحى الى جانب شركات النظافة و إلتقاط صور مزورة عن واقع النظافة،يجزم أنه رمى بدفتر التجملات بمطرح النفايات و يكتفي بالتطبيل و التراخي امام المال العام.
الأودية المفتوحة.. “وادي الحيمر” كابوس يقض المضاجع
وإذا كان المشهد العام للمدينة يبعث على القلق، فإن الوضع في الأحياء المتاخمة للأودية المفتوحة يتجاوز حدود الاحتمال. ويأتي على رأس هذه البؤر الموبوءة “وادي الحيمر”، هذا المجرى المائي المفتوح الذي يخترق عدة تجزئات سكنية آهلة بالمنخرطين وعائلاتهم. لقد تحول هذا الوادي، بفعل قذف المقذوفات السائلة وغياب التطهير، إلى مجرور ضخم للمياه العادمة تنبعث منه سموم برائحة تزكم الأنوف، ويشكل المورد الأساسي لجحافل الناموس والذباب التي تهاجم العائلات في غرف نومها.
الحال نفسه ينطبق على “واد المهراز” و الوداي الذي يخترق خلف “فان زون” وباقي المجاري المكشوفة التي تخترق النسيج الحضري لفاس، والتي تحولت من نعم بيئية إلى نقم صحية تهدد سلامة الأطفال والمسنين بأمراض جلدية وتنفسية خطيرة، دون أن يكلف العمدة نفسه عناء وضع مخطط استعجالي لتنقيطها أو معالجتها أو رشها بالمبيدات كما كان معمولاً به في السابق.
الوالي يبني.. والعمدة في “دار غفلون”
المفارقة الصارخة المقززة تتجلى في التناقض الرهيب بين عمل سلطات الرقابة وعمل المنتخبين. فبينما يرى المواطن الفاسي لمسات والي الجهة واضحة في الشرايين الكبرى للمدينة،و هو يقف راء مشاريع مهيكلة تنزلها شركة فاس الجهة للتهيئة، متسائلاً بمرارة: كيف يعقل أن تعجز جماعة فاس بميزانيتها الضخمة ومقاطعاتها الست عن كنس زقاق، أو ترميم حفرة، أو رش مبيد للحشرات؟ أو إنارة درب.
الجواب يكمن في غياب الإرادة والمسؤولية لدى رئاسة المجلس. فبينما تحترق الأحياء بالأزبال والناموس، يبدو العمدة عبد السلام البقالي مستمتعاً بامتيازات الكرسي، غارقاً في أنشطته الهامشية وملذاته البروتوكولية، ومكتفياً بالتقاط الصور في المناسبات الرسمية،و إستغلال الأطفال القاصرين في سلفيات الترويج عن الفشل، تاركاً التدبير الحقيقي للمدينة يدخل في مرحلة “السكتة القلبية”. إنها حالة من الاستهتار غير المقبول بمصالح ساكنة وثقت يوماً في وعود انتخابية تبخرت عند أول صيف حار.
كفى استهتاراً بكرامة الفاسيين!
إن فاس، العاصمة الروحية والعلمية للمملكة، أكبر بكثير من أن تُترك رهينة لتدبير فاشل يغرقها في الأزبال، والحفر، والحشرات. النظافة، وتعبيد الطرقات الداخلية، وتطهير الأودية كـ “وادي الحيمر”، ليست من قبيل الإنجازات الاستثنائية، بل هي أبسط حقوق المواطنة والعيش الكريم التي يُفترض في أي مجلس جماعي توفيرها.
لقد طفح الكيل، ولم يعد ينفع الاختباء وراء المبررات الواهية. إن ساكنة فاس تطالب اليوم بتدخل عاجل وحازم من سلطات الوصية لوضع حد لهذا العبث التدبيري والبيئي، ومساءلة رئيس المجلس الجماعي عن هذا التقصير الفادح، وعن صمته غير المبرر تجاه شركات النظافة. فاس تستحق رئيساً يرتدي حذاءه الميداني وينزل للأزقة المحفرة ليحل مشاكل المواطنين، لا عمدة يكتفي بمشاهدة مدينته وهي تختنق وتنزف من وراء زجاج مكاتبه المكيفة وسياراته الفارهة!






