صناديق التقاعد المثقوبة بين مطرقة بنكيران وسندان أخنوش: أزمة تتفاقم والصمت الحكومي مستمر

بين قرارات موجعة اتُّخذت في عهد عبد الإله بنكيران، وصمت ثقيل يخيّم على حكومة عزيز أخنوش، تقف صناديق التقاعد في المغرب على حافة الانهيار، مثقوبة من الداخل بعجز مالي متراكم، ومنهكة خارجيًا بمتغيرات ديمغرافية واقتصادية لا ترحم.
ورغم مرور سنوات على إطلاق “إصلاحات” قاسية طالت جيوب الموظفين وحقوق المتقاعدين، لم تنجح الحكومات المتعاقبة في إنقاذ منظومة تقاعد توصف اليوم بأنها غير عادلة، غير موحدة، وغير قابلة للاستمرار.
حين قررت حكومة عبد الإله بنكيران سنة 2016 رفع سن التقاعد تدريجيًا إلى 63 عامًا، وزيادة نسبة المساهمات، وتغيير طريقة احتساب المعاشات، تم تبرير تلك الإجراءات القاسية بـ”حماية الصناديق من الإفلاس”.
لكن الواقع، بعد قرابة عقد من الزمن، يكشف أن الإصلاح لم يكن سوى حلًّا مقياسيًا، حادًا في نتائجه، ومؤقتًا في أثره، طال فقط موظفي القطاع العام عبر الصندوق المغربي للتقاعد، واستثنى باقي الأنظمة، ما زاد من التفاوت والاحتقان.
واليوم، في عهد حكومة أخنوش، تدخل صناديق التقاعد نفقًا أكثر ظلمة، وسط أزمة خانقة على كل المستويات: ارتفاع متوسط العمر إلى 76 عامًا، تقلّص عدد المساهمين مقابل المتقاعدين، تدهور القدرة الشرائية، وتفشي التغطية الهشة، إذ يُحرم أكثر من 6 ملايين عامل مغربي من أي معاش مستقبلي.
ورغم كل هذه التحديات، لم تتقدم الحكومة الحالية بأي تصور واضح للإصلاح، سواء في جلسات الحوار الاجتماعي أو عبر المؤسسات المعنية. لا خطوط عريضة، ولا أجندة زمنية، ولا شجاعة سياسية لمصارحة المغاربة بالحقيقة، ما دفع النقابات إلى دق ناقوس الخطر.
وفق معطيات متقاطعة، أصبحت احتياطات الصناديق مهددة بالنفاد في غضون سنوات قليلة، مع تفاقم العجز الهيكلي وتراجع نسبة التغطية. ويبرز صندوق الضمان الاجتماعي (CNSS) كنموذج صارخ للفشل، حيث يحصل كثير من المتقاعدين على معاشات لا تتجاوز 1500 درهم، أي ما دون خط الفقر الوطني، بينما لم تُراجع قيمة المعاشات منذ أكثر من 25 عامًا، رغم ارتفاع التضخم وتكلفة المعيشة.
أما ما يُتداول اليوم عن توجه الحكومة نحو رفع سن التقاعد إلى 65 عامًا وتوسيع المساهمات، فلا يُعدو أن يكون إعادة إنتاج لفشل قديم بثوب جديد، يُنذر بتحميل الأجراء والطبقة الشغيلة وحدهم كلفة الانهيار، دون معالجة جذرية أو إصلاح هيكلي عادل.
المفارقة الصادمة في مشهد التقاعد المغربي تكمن في غياب أي عدالة داخل النظام نفسه. فالتعددية المؤسسية والتفاوت في نسب المساهمة وطرق احتساب المعاشات، تنتج تفاوتات صارخة بين منخرطي مختلف الصناديق.
وهو ما يجعل المطالبة بنظام موحد وثنائي القطب (عام/خاص)، يقوم على مبدأ الإنصاف والاستدامة، ضرورة لا خيارًا.
الكرة الآن في ملعب حكومة أخنوش، التي لا تزال تتردد في الإعلان عن إصلاح حقيقي، شامل، عادل. والمطلوب اليوم ليس رفع سن التقاعد أو اقتطاع مزيد من الأجور، بل تغيير جذري في فلسفة النظام: حوكمة شفافة، ضرائب عادلة، توسيع التغطية، تحسين المعاشات، واستثمار ذكي لاحتياطات الصناديق.
الوقت يداهمنا، والصناديق تنزف، والطبقة الوسطى تتآكل. ما لم تُفتح جبهة إصلاح حقيقي، سيظل التقاعد في المغرب مجرد مرحلة جديدة من الفقر، بعد نهاية عمر من العمل.






