قضايا

القيادة الجهوية للدرك الملكي بفاس تفكك “طريق الكوكايين” بين تاونات والحسيمة… سقوط “أزرو” يفتح ملف “غسيل الأموال” والجريمة المنظمة

تحقيق صحفي خاص بفاس 24: عبدالله مشواحي الريفي

شهدت القيادة الجهوية للدرك الملكي بفاس، و بمواكبة ميدانية للقائد الجهوي الكولونيل هشام مطعيش، عملية أمنية نوعية تعد من الأضخم في الفترة الأخيرة، أسفرت عن تفكيك مسارات معقدة لتهريب وتوزيع مخدر “الكوكايين” كانت تستهدف إغراق المناطق النائية والقروية بالسموم. العملية التي ربطت بين إقليمي تاونات والحسيمة، لم تكن مجرد ضربة للتهريب، بل كشفت عن شبكة لوجستية تستغل الأغطية التجارية، وتؤكد تحولاً خطيراً في أنماط الجريمة المنظمة العابرة للجهات. هذا التحقيق يغوص في تفاصيل العملية، وتداعياتها الاجتماعية والقضائية.

1. العملية النوعية: الإسقاط الاستخباراتي لـ “طريق الموت”

تجسدت نجاعة هذه العملية في قدرة الأجهزة الأمنية على اختراق شبكتين كانتا تتحركان بمرونة احترافية لافتة. فبعد جمع المعلومات وتحليل دقيق للتحركات، تم تحديد المحاور الجغرافية التي اتخذتها الشبكتان كبوابة لعبور الكوكايين من الشمال نحو قلب الجهة، وتحديداً معبري “إيكاون” و”إساكن” في منطقة كانت تُعرف سابقاً بأنها مركز لزراعة الحشيش، ما يشير إلى تقاطع مصالح “البارونات” القدامى والجدد. إن قرار القيادة الجهوية بالتحرك في العمق، وعدم الاكتفاء بالتدخلات الآنية، هو ما مكن من الإمساك بالرؤوس المدبرة التي كانت تعتمد على استراتيجية متقنة للتمويه اللوجستي وتفادي أي تعقب مباشر. هذه العملية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجاً لمجهود تراكمي في تتبع نشاطات العصابات الإجرامية التي بدأت ترفع من سقف المخاطر عبر تداول المخدرات الصلبة.

2. هيكلة الشبكتين: من دواوير تاونات إلى مكاتب أزرو لكراء السيارات

أظهر التحقيق أن أخطر ما في هذه الشبكات هو اعتمادها على غطاء تجاري “شرعي” لضمان سلاسة حركة شحنات الكوكايين. فقد استعان المهربون بخدمات شركة لاستئجار السيارات يوجد مقرها الإداري في مدينة أزرو، الواقعة في محور استراتيجي يربط الشمال بالجنوب. كان هذا المكتب يشكل الذراع اللوجستي والتمويلي، حيث كان صاحب الشركة يزود المهربين بمركبات الكراء في كل نقطة عبور، ما يوفر لهم غطاءً تنقلياً آمناً وغير مشبوه. هذا التوظيف لشركة كواجهة يطرح بجدية ملف “غسيل الأموال”؛ إذ أن استخدام أصول تجارية مشروعة في تمويل وتسهيل الأنشطة الإجرامية يشير إلى تحول منهجي للشبكات نحو “المؤسسة الإجرامية”، مما يتطلب من السلطات القضائية والإدارية توسيع دائرة الأبحاث لتشمل الموارد المالية والشركاء المحتملين.

3. تكتيك “سيارات التخلي”: فشل محاولة الهروب الذكي

كانت الاستراتيجية الدفاعية للشبكات تعتمد على عنصر المفاجأة والإنكار، عبر تطبيق تكتيك “سيارات التخلي”. فبعد كل عملية نقل أو تسليم، يتم ترك السيارة المستأجرة في أي موقع دون تخطيط مسبق، في محاولة لإيقاف سلسلة التتبع الأمني وقطع الخيط الرابط بين السيارة، الشحنة، والمهرب. هذه الاحترافية لم تدم طويلاً أمام “علو كعب” الفرق البحثية التابعة للدرك الملكي بفاس. فباستخدام تقنيات المراقبة الإلكترونية الحديثة وأدوات التعقب الذكي، تمكنت هذه الفرق من فك هذه الشفرة بنجاح، وتحليل بيانات التخلي، والربط بينها وبين تحركات العناصر المحددة. هذا التفوق التقني شكل نقطة حاسمة في العملية، حيث أدى إلى تحديد هويات المتورطين بشكل قاطع، ما أدى إلى إسقاط الشبكتين بالدليل القاطع، ودحض استراتيجية الهروب الذكي التي كان يظن المهربون أنها ستضمن لهم الإفلات من العقاب.

4. الكشف عن “حرب البارونات”: العنف يرافق تجارة السموم

النتائج القضائية لهذه العملية عكست خطورة المتورطين ومستوى العنف المرافق لنشاطهم. فقد حوكمت عناصر الشبكة الأولى وحُكم عليهم بما مجموعه 14 سنة سجناً نافذاً، بما في ذلك سبع سنوات للزعيم الأول. أما الزعيم الرئيسي للشبكة الثانية، الذي تمكن من الفرار قبل أن يتم القبض عليه وتعقبه ببراعة، فيقبع حالياً بسجن عين عائشة بتاونات وهو ينتظر محاكمة قوية. وتكمن خطورة ملفه في أنه مبحوث عنه في قضايا جنائية متعددة، ومرتبط بشكل مباشر بـ**”صراعات البارونات”** للسيطرة على مناطق النفوذ وطرق التهريب. وتأكيداً لهذا العنف، أظهرت الأبحاث أن مساعده قد أدين بـ15 سنة سجناً لإلحاقه عاهة مستديمة بشخص آخر خلال إحدى هذه المواجهات بنفوذ تراب إقليم الحسيمة. هذه الأحكام القضائية المشددة تبعث رسالة واضحة حول التصدي الحازم لكل أشكال العنف والجريمة المرتبطة بتجارة السموم.

5. تداعيات اجتماعية: زحف الكوكايين يغير خارطة الإدمان في مقدمة سلسلة جبال الريف

إن الدلالات الاجتماعية لتفكيك “طريق الكوكايين” في هذه المناطق الجبلية مثيرة للقلق. فتاونات، التي عانت طويلاً من تداعيات زراعة القنب الهندي (الحشيش)، تجد نفسها اليوم تحت تهديد غزو المخدرات الصلبة. فانتشار الكوكايين في الدواوير والجماعات المحلية، وتحرك الشبكات حتى قلب فاس، يشير إلى أن الكوكايين بات يُستخدم ليس فقط للاستهلاك المباشر، بل كـ”عملة تبادل” تتم مقايضتها بالحشيش، ما يوسع قاعدة المدمنين ويشجع على ظهور فئة جديدة من المهربين المحليين. هذا التحول ينذر بكارثة اجتماعية، حيث يؤثر بشكل مباشر على فئة الشباب في المناطق القروية، ويرفع من معدلات الجريمة والعنف المرتبطة بتمويل الإدمان، مما يستدعي تدخلاً ليس أمنياً فحسب، بل يتطلب برامج تأهيل اجتماعية وصحية طارئة لمواجهة تداعيات هذا “الزحف الكوكاييني” الجديد.

6. تحدي الحكامة الأمنية: تحصين الجهة من “الجريمة العابرة”

تمثل هذه العملية إنجازاً أمنياً نوعياً يؤكد جاهزية القيادة الجهوية للدرك الملكي بفاس للتصدي للجريمة المنظمة العابرة للجهات. لكنها تطرح في الوقت ذاته تحدياً مستمراً يتعلق بضرورة تحصين الجهة عبر تعزيز التنسيق الأمني بين مختلف الوحدات الترابية والمناطقية ( جهة فاس مكناس و جهة طنجة تطوان الحسيمة). إن فضح الغطاء اللوجستي لشركة تأجير السيارات يوجب تشديد الرقابة على الأنشطة التجارية التي يمكن استغلالها كواجهات لغسيل الأموال أو تمويل الأنشطة الإجرامية. إن الحكامة الأمنية الفعالة تتطلب يقظة مستمرة وتحديثاً للأدوات التكنولوجية لضمان أن تبقى جهة فاس-مكناس وسائر الأقاليم والشمال بعيدة عن تهديدات “الجريمة العابرة للحدود” التي تتسم بالاحترافية والتعقيد المتزايد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى