تحقيق | من أحياء الهشاشة إلى أسوار سبتة ومليلية.. كيف يمكن لجهة فاس–مكناس أن تنتصر على الهجرة غير النظامية بالتنمية بدل الانتظار؟

تحقيق من إعداد: عبدالله مشواحي الريفي
لم تعد محاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية مجرد أحداث موسمية ترتبط بفصل الصيف أو بتداول مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت مؤشراً اجتماعياً وتنموياً يفرض على مختلف المتدخلين إعادة تقييم السياسات العمومية الموجهة للشباب.
فكل مرة تتجه فيها أنظار المغاربة نحو الحدود الشمالية، يبرز سؤال جوهري: ماذا ينقص هؤلاء الشباب حتى يقتنعوا بأن مستقبلهم يمكن أن يبنى داخل وطنهم؟
وبالنسبة لجهة فاس–مكناس، التي تضم ملايين السكان وتتوفر على مؤهلات فلاحية وصناعية وسياحية وجامعية مهمة، فإن الجواب لا يكمن في المقاربة الأمنية وحدها، بل في إطلاق ثورة تنموية حقيقية تعالج جذور الظاهرة، وليس فقط نتائجها.
الهجرة تبدأ من الإحباط وليس من الحدود
يؤكد مختصون في التنمية أن قرار الهجرة غير النظامية لا يتخذ في ليلة واحدة، بل يبدأ منذ سنوات عندما يشعر الشاب بأنه فقد الأمل في الحصول على عمل كريم، أو تعليم جيد، أو علاج لائق، أو سكن يحفظ كرامته، أو فرصة عادلة بعيداً عن الزبونية والمحسوبية.
وتتفاقم هذه الوضعية في عدد من الأحياء الهامشية والأحزمة الفقيرة المحيطة ببعض مدن الجهة، حيث ترتفع معدلات البطالة والهدر المدرسي والهشاشة الاجتماعية، فيتحول الفراغ إلى بيئة خصبة لتعاطي المخدرات والانحراف، ويصبح حلم الهجرة بديلاً عن مشروع الحياة.
القطع مع الحسابات الانتخابية الضيقة والزبونية.. مدخل أساسي لاستعادة ثقة الشباب
لا يمكن الحديث عن معالجة جذرية لظاهرة الهجرة غير النظامية دون فتح نقاش مسؤول حول بعض الممارسات التي يعتبر عدد من المتابعين للشأن العام أنها أضعفت، على امتداد سنوات، أثر العديد من البرامج التنموية والاجتماعية. فالتحدي لا يكمن فقط في توفير فرص الشغل و الاعتمادات المالية أو إطلاق مشاريع جديدة، بل في ضمان وصولها إلى مستحقيها وفق معايير الشفافية والاستحقاق وتكافؤ الفرص، بعيداً عن أي اعتبارات انتخابية أو حسابات سياسية ضيقة. ويرى محللون أن بعض المشاريع والبرامج الاجتماعية قد تتأثر أحياناً بالتجاذبات السياسية أو بتغليب منطق الولاءات والعلاقات الشخصية، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة الشباب في المؤسسات ويغذي لديهم الإحساس بالإقصاء وغياب العدالة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة المقبلة تفرض تكريس حكامة ترابية حقيقية تجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتعزز آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع محاربة كل مظاهر الزبونية والمحسوبية واستغلال النفوذ أينما وجدت، حتى تصبح فرص الشغل، والاستفادة من المبادرات العمومية، والولوج إلى المشاريع التنموية، حقاً قائماً على الكفاءة والاستحقاق لا على الوساطة أو الانتماء أو النفوذ. فكلما شعر الشباب بأن العدالة في الفرص مضمونة، وأن المؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة ومنصفة، تراجعت مشاعر الإحباط واليأس، وتعزز الانتماء للوطن والثقة في المستقبل، وهو ما يشكل أحد أهم الأسس لبناء تنمية مستدامة تحد من دوافع الهجرة غير النظامية وتحصن المجتمع من مختلف مظاهر الهشاشة.
أولاً.. مخطط تنموي واقعي وليس وعوداً انتخابية
إن أول ما تحتاج إليه جهة فاس–مكناس هو مخطط تنموي ترابي واقعي يمتد لسنوات، تحدد فيه الأولويات بالأرقام والمؤشرات، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تبقى المشاريع رهينة الوعود أو تغير المجالس المنتخبة.
فالشباب لا ينتظر الشعارات، بل ينتظر منطقة صناعية تفتح أبوابها، أو مشروعاً استثمارياً يوفر مئات الوظائف، أو مركزاً للتكوين ينتهي بالتشغيل، أو طريقاً يفك العزلة عن العالم القروي.
ثانياً.. الاستثمار المنتج هو صمام الأمان
لا يمكن الحديث عن الحد من الهجرة دون تحريك عجلة الاستثمار.
فالجهة تحتاج إلى تسريع إخراج المناطق الصناعية واللوجستية، واستقطاب المستثمرين، وتبسيط المساطر، وتحفيز المقاولات التي تلتزم بتشغيل أبناء الجهة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع المنتجة التي تخلق مناصب شغل مستقرة، بدل الاقتصار على أنشطة موسمية أو محدودة الأثر.
كما أن تشجيع الاستثمار في الصناعات الغذائية، وتثمين المنتجات الفلاحية، والصناعات التحويلية، والسياحة البيئية والجبلية، يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل داخل مختلف أقاليم الجهة.
ثالثاً.. الأحياء الهامشية تستحق خطة إنقاذ
الرهان الحقيقي لا يوجد فقط في وسط المدن، بل في الأحياء التي تعاني من الفقر والهشاشة.
فهذه الأحياء تحتاج إلى إعادة التأهيل، وتجهيزات رياضية وثقافية، ومراكز للشباب، وفضاءات عمومية، ومواكبة اجتماعية، وبرامج للإدماج الاقتصادي، حتى لا يبقى الشارع هو الفضاء الوحيد الذي يستقطب المراهقين و يزرع فيهم الحقد و إدمان المخدرات و التفاعل مع إرتكاب جرائم مختلفة.
إن تنمية أحزمة الفقر ليست عملاً خيرياً، بل استثمار مباشر في الأمن والاستقرار والتنمية.
رابعاً.. حرب حقيقية على المخدرات
يصعب الحديث عن إنقاذ الشباب من الهجرة دون الحديث عن المخدرات.
فانتشار مختلف أنواع المخدرات في بعض الأحياء يهدد جيلاً كاملاً، ويقوض فرص الاندماج في الدراسة والعمل.
والمطلوب ليس فقط المقاربة الأمنية، بل أيضاً برامج للوقاية، وإعادة الإدماج، والتوعية داخل المؤسسات التعليمية، مع توفير بدائل رياضية وثقافية تستقطب الشباب بعيداً عن الانحراف.
خامساً.. إصلاح سوق الشغل
من بين الرسائل التي يبعث بها كثير من الشباب أن العمل، عندما يتوفر، لا يضمن دائماً حياة كريمة.
لذلك فإن تحسين ظروف الشغل، والرفع التدريجي للأجور بما ينسجم مع تطور كلفة المعيشة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، واحترام الحقوق الأساسية للأجراء، تبقى عناصر تسهم في تقوية الاستقرار الاجتماعي وتقليص دوافع الهجرة.
سادساً.. جامعة وتكوين مهني في كل الأقاليم
لا يعقل أن يضطر آلاف الطلبة إلى مغادرة أقاليمهم لمتابعة الدراسة في ظروف صعبة.
إن تفعيل نوى جامعية بمختلف أقاليم جهة فاس–مكناس، إلى جانب توسيع مؤسسات التكوين المهني وربطها مباشرة بحاجيات الاقتصاد المحلي، سيمنح الشباب فرصاً أفضل للتكوين والاستقرار داخل محيطهم.
لكن نجاح هذه المؤسسات يبقى رهيناً بربطها بسوق الشغل، حتى لا تتحول الشهادات إلى أوراق تحفظ في الأدراج.
سابعاً.. تعليم وصحة يزرعان الثقة
كلما ارتفعت جودة المدرسة العمومية، وتحسن العرض الصحي، شعر المواطن بأن الدولة تستثمر في مستقبله.
أما عندما يضطر المريض إلى السفر مئات الكيلومترات للعلاج، أو يغادر التلميذ المدرسة بسبب ضعف الخدمات، فإن الإحساس بالإقصاء يتضاعف.
ولهذا فإن الاستثمار في الصحة والتعليم ليس فقط سياسة اجتماعية، بل هو أيضاً سياسة للوقاية من الهجرة.
ثامناً.. محاربة الزبونية وتكافؤ الفرص
يشكو كثير من الشباب من شعورهم بأن الحصول على فرصة عمل أو الاستفادة من بعض البرامج يظل، في بعض الحالات، رهيناً بالعلاقات الشخصية أو الوساطات.
ومهما اختلفت التقديرات، فإن تكريس الشفافية، وتكافؤ الفرص، وربط الولوج إلى البرامج العمومية بمعايير واضحة ومعلنة، من شأنه أن يعزز ثقة الشباب في المؤسسات ويحد من الإحساس بالإقصاء.
تاسعاً.. إنقاذ الشباب من اقتصاد الهشاشة
تحولت العربات المجرورة، والبيع المتجول، والأعمال غير المهيكلة، إلى مصدر رزق لآلاف الشباب.
ورغم أن هذه الأنشطة تعكس روح الكفاح، فإنها لا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن التشغيل المهيكل.
فالمطلوب هو إدماج هؤلاء الشباب في الاقتصاد المنظم، عبر تشييد اسواق نموذجية و مواكبتها،و برامج مواكبة، وتكوين، وتمويل، ومشاريع مدرة للدخل، تحفظ كرامتهم وتمنحهم مستقبلاً مستقراً.
عاشراً.. الأسرة شريك في الوقاية
تبقى الأسرة أول خط دفاع ضد الهجرة غير النظامية.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التواصل بين الأسر، والمؤسسات التعليمية، والسلطات المحلية، والجمعيات، لرصد حالات الانقطاع عن الدراسة أو الهشاشة الاجتماعية مبكراً، وتوجيه الدعم قبل أن يتحول الإحباط إلى قرار بالمغامرة.
التنمية… الجواب الذي ينتظره الشباب
إذا كانت الدولة قد نجحت في بناء الطرق السيارة، والقطارات، والموانئ، والمناطق الصناعية، فإن التحدي اليوم يتمثل في أن يشعر الشاب في فاس، وصفرو، وتاونات، وتازة، والحاجب، وإفران، وبولمان، ومكناس، بأن هذه الدينامية الوطنية تنعكس على حياته اليومية.
فالشباب لا يريد حلولاً مؤقتة، بل يريد عملاً مستقراً، وتعليماً جيداً، ومستشفى يحفظ كرامته، وسكناً لائقاً، وعدالة في الفرص، ومؤسسات تنصت إليه،و القطع مع سياسة الظلم.
وعندما تصبح هذه المطالب واقعاً، فإن أسوار سبتة ومليلية ستفقد بريقها في أعين كثير من الشباب، لأن الوطن سيكون قد منحهم سبباً حقيقياً للبقاء، لا مجرد دعوة إلى الصبر.






