سياسة

تحقيق استقصائي: “خيوط الحرب القذرة”.. كيف تحولت سفارات الجزائر إلى أوكار للاستخبارات؟ وهل حان وقت التدخل الدولي لإنقاذ الشعب الجزائري من “قبضة الجنرالات”؟

بينما تتباهى الأمم المتقدمة بتطوير نسيجها الديمقراطي وصناعة تكنولوجيات المستقبل، يصر نظام “الكابرانات” في الجزائر على جر المنطقة نحو مستنقع من “الحروب القذرة” والمناورات الاستخباراتية التي تجاوزت كل الحدود الأخلاقية والقانونية. ما كشفه برنامج “تحقيق معمق” (Complément d’enquête) على قناة France 2 الفرنسية، ليلة الخميس، ليس مجرد سبق صحفي، بل هو “صك اتهام” دولي يضع نظام العسكر تحت مجهر المحاسبة التاريخية، ويفضح تحول الدولة الجزائرية من كيان مؤسساتي إلى “عصابة منظمة” تمارس الإرهاب العابر للحدود.

1. اختراق السيادة الفرنسية: الدبلوماسية في خدمة “البلطجة”

كشف التحقيق الفرنسي المدعوم بوثائق قضائية وتسجيلات مسربة، عن حقيقة صادمة: النظام الجزائري لا يحترم سيادة الدول، حتى تلك التي يدعي إقامة علاقات “ودية” معها. فأن يتم تجنيد موظف فرنسي من أصول جزائرية داخل وزارة الاقتصاد الفرنسية للقيام بمهام تجسسية، فهذا يعني أن مخابرات الجنرالات اخترقت “القلب النابض” للإدارة الفرنسية.

الأخطر من ذلك هو استخدام “الغطاء الدبلوماسي” للقيام بمهام إجرامية. عناصر من البعثة الدبلوماسية الجزائرية في باريس تحولوا من دبلوماسيين يمثلون مصالح شعبهم، إلى “كوماندوز” مكلف باختطاف المعارضين، كما حدث في محاولة اختطاف الناشط “أمير ديزاد”، وهي العملية التي تعيد للأذهان أساليب الأنظمة الديكتاتورية البائدة في تصفية الخصوم فوق أراضٍ أجنبية.

2. “القتلة المأجورون”: الحرب السرية ضد الجالية والنشطاء

لم يتوقف جنون العظمة لدى جنرالات “المرادية” عند التجسس، بل انتقلوا إلى مرحلة “الاغتيالات الممنهجة”. فضح برنامج “تحقيق معمق” لجوء الاستخبارات الجزائرية إلى تسخير “مرتزقة” وقتلة محترفين للقيام بأعمال تخريبية واغتيالات تستهدف النشطاء الجزائريين في أوروبا. هذه “الحرب القذرة” لا تهدف فقط لإسكات المعارضة، بل لإرسال رسالة رعب لكل جزائري تسول له نفسه انتقاد “المقدس العسكري”.

3. نظام الجنرالات: واجهة مدنية “مهترئة” وقبضة حديدية فاسدة

عند تحليل جذور هذه الممارسات الإجرامية، نجد أن العلة تكمن في طبيعة النظام الحاكم. الجزائر اليوم محكومة بنظام “غير ديمقراطي” بامتياز؛ حيث يختبئ الجيش وراء واجهة مدنية ممثلة في الرئيس الصوري “عبد المجيد تبون”. إنها دولة “الواجهة” التي يقرر فيها العسكر كل شيء، من سعر الخبز إلى صفقات السلاح، بينما يظل البرلمان والقضاء مجرد “ديكورات” لتزيين واقع الاستبداد.

إن غياب الديمقراطية وفصل السلط هو الذي سمح للجنرالات بتحويل ميزانية الدولة إلى “صندوق أسود” لتمويل العمليات السرية وقمع الشعب، في وقت يطالب فيه “الحراك الأصيل” بدولة مدنية وليست عسكرية.

4. نزيف الثروات: مليارات الشعب في خزائن فرنسا وسويسرا

بينما يواجه المواطن الجزائري طوابير “الحليب والزيت” ويغرق في وحل البنية التحتية المتهالكة، تُكشف الحقائق المرة عن تهريب الثروات. تشير تقارير دولية ومصادر قضائية إلى أن كبار الجنرالات وعائلاتهم يمتلكون عقارات فاخرة وحسابات بنكية سرية في فرنسا وسويسرا وإسبانيا.

هذه الأموال التي هي ملك للشعب الجزائري المنهوب، تُهرب عبر قنوات معقدة لتأمين مستقبل “أبناء النظام” في الخارج، تحسباً لأي انفجار شعبي قد يقتلع الجذور الفاسدة من الداخل. إنها “خيانة عظمى” موصوفة، حيث يتم تجويع الشعب لملء أرصدة البنوك السويسرية.

5. نداء للقوى العظمى: التدخل لفرض الديمقراطية

أمام هذا الوضع الشاذ الذي يهدد استقرار منطقة المتوسط، لم يعد الصمت الدولي مقبولاً. إن القوى العظمى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) مطالبة بالتحرك الفوري عبر:

  • فرض عقوبات على قادة العسكر: المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان والعمليات السرية فوق التراب الأوروبي.

  • الضغط لإجراء انتخابات شفافة: تحت إشراف دولي كامل، لضمان انتقال حقيقي للسلطة بعيداً عن “ثكنات الجنرالات”.

  • فصل الجيش عن السياسة: إجبار المؤسسة العسكرية على العودة إلى دورها الطبيعي في حماية الحدود، ومنعها من التدخل في الشأن السياسي والاقتصادي.

  • فتح تحقيق دولي في الثروات المهربة: وتجميد أرصدة “العصابة” في الخارج وإعادتها للشعب الجزائري المنكوب.

6. الجزائر.. سجن كبير محروس بـ “البدلة العسكرية”

الحقيقة التي حاول تحقيق France 2 كشفها، هي أن النظام الجزائري يعيش حالة من “البارانويا” السياسية. فهو يرى في كل ناشط عدواً، وفي كل صحفي جاسوساً، وفي كل جار ناجح (مثل المغرب) خطراً وجودياً. هذا النظام الذي يصدر أزماته للخارج عبر إشعال التوترات، هو نفسه الذي يقمع شعبه في الداخل بكل وحشية.

إن “القصف” الإعلامي والقضائي الذي يتعرض له النظام الجزائري اليوم في فرنسا، هو مجرد بداية لنهاية “حقبة الكابرانات”. فالشعوب لا تُقهر بالأجهزة الاستخباراتية، والتاريخ أثبت أن الأنظمة التي تعتمد “البلطجة” وسيلة للحكم، تنتهي دائماً في مزابل النسيان.

 هل ستتحرك فرنسا لمقاضاة “العصابة”؟

إن الوقائع المعروضة في التحقيق تضع الحكومة الفرنسية أمام اختبار حقيقي: هل ستضحي بمبادئ “حقوق الإنسان” وسيادتها الوطنية من أجل “صفقات الغاز”؟ أم أنها ستنتصر لكرامتها وتفتح تحقيقاً قضائياً دولياً يفضح جرائم الجنرالات؟

إن الشعب الجزائري، الذي خرج في الحراك يطالب بـ “يتنحاو كاع”، يستحق نظاماً ديمقراطياً يحترم عقله وثرواته، لا نظاماً يطارد معارضيه في أزقة باريس ويترك وطنه يغرق في التهميش والفقر.

 لقد سقط القناع عن نظام الجنرالات؛ فلم يعد نظاماً “مارقاً” إقليمياً فحسب، بل أصبح “خطراً دولياً” يستوجب تدخلاً جراحياً لاستئصال سرطان العسكرة من جسد الجزائر العظيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى