مدريد تحسم لهجتها… خمسون سنة كافية وإسبانيا تدفع نحو حل نهائي لقضية الصحراء المغربية

في تطور دبلوماسي لافت يعكس تحوّلًا عميقًا في الموقف الأوروبي، أكد وزير الشؤون الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن الوقت قد حان للتقدم بشكل حاسم نحو حل سياسي نهائي لقضية الصحراء المغربية، معتبرًا أن مرور خمسين سنة على النزاع “أكثر من كافٍ”، وأنه لا يمكن السماح باستمراره لخمسين سنة أخرى.
وجاءت تصريحات رئيس الدبلوماسية الإسبانية خلال مقابلة عبر التلفزيون الإسباني الرسمي، حيث شدد على ضرورة التحلي بالمسؤولية الجماعية لإنهاء هذا الملف الذي طال أمده، مؤكدًا أن تسويته تظل بيد الأطراف المعنية في إطار الأمم المتحدة، مع دعم بلاده الكامل للمسار الأممي وجهود المبعوث الشخصي للأمين العام من أجل التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم يحظى بقبول الأطراف.
تحول استراتيجي في الموقف الإسباني
تصريحات ألباريس لا يمكن فصلها عن التحول الذي عرفته مدريد منذ سنة 2022، حين اعتبرت الحكومة الإسبانية مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع. هذا التحول لم يكن ظرفيًا، بل أعاد رسم العلاقات المغربية-الإسبانية على أسس جديدة، قوامها الشراكة الاستراتيجية والاحترام المتبادل.
ويأتي تأكيد المسؤول الإسباني أن موقف بلاده “واضح ومعروف” وينسجم مع قرارات مجلس الأمن الأخيرة، ليكرس انسجام مدريد مع المرجعية الأممية التي تدعو إلى حل سياسي قائم على الواقعية والتوافق، بعيدًا عن الأطروحات المتجاوزة التي أثبتت محدوديتها على أرض الواقع.
توافق أممي متزايد… ومبادرة الحكم الذاتي في الصدارة
منذ تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، شهد الملف دينامية دبلوماسية متصاعدة. فقد وصفت قوى دولية وازنة المقترح المغربي بالجاد وذي المصداقية، في انسجام مع قرارات مجلس الأمن التي تركز على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم يقوم على التوافق.
وفي هذا السياق، تعززت مكانة المبادرة المغربية بفضل اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020 بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، إضافة إلى تنامي الدعم الأوروبي والأفريقي والعربي، حيث افتتحت عشرات الدول قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، في مؤشر سياسي واضح على ترسيخ مغربية الصحراء على المستوى الدولي.
نجاحات ميدانية تعزز الطرح المغربي
التحولات الدبلوماسية لا تنفصل عن الواقع التنموي على الأرض. فالأقاليم الجنوبية شهدت خلال العقد الأخير طفرة استثمارية غير مسبوقة في إطار النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015، بميزانية تجاوزت 77 مليار درهم.
وقد تحولت مدينة الداخلة إلى قطب اقتصادي واعد بفضل مشاريع استراتيجية في مجالات الطاقات المتجددة والصيد البحري والسياحة، فيما تشهد العيون نهضة عمرانية وبنيات تحتية متقدمة تشمل موانئ وطرقًا ومناطق صناعية ومؤسسات جامعية وصحية حديثة. هذه الدينامية التنموية شكلت ورقة قوة للمغرب في المحافل الدولية، إذ أظهرت أن خيار الاستقرار والاندماج في المشروع الوطني هو الخيار الواقعي والقابل للحياة.
دور إسبانيا بين الجغرافيا والمصالح الاستراتيجية
إسبانيا، بحكم الجوار الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية، تدرك أن استقرار الصحراء المغربية ينعكس مباشرة على استقرار الضفة الشمالية للمتوسط. فالتعاون بين الرباط ومدريد في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والطاقة والتبادل التجاري بلغ مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، ما يجعل أي توتر إقليمي تهديدًا مباشرًا لهذه المصالح المشتركة.
ومن هنا يمكن فهم تشديد ألباريس على أن استمرار النزاع لعقود أخرى أمر غير مقبول، وأن الحل السياسي الواقعي بات ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار دبلوماسي.
منعطف إقليمي حاسم
التصريحات الإسبانية تأتي في ظرفية توصف بالحاسمة، في ظل مساعٍ أممية لإحياء المسار السياسي، ومشاركة الأطراف المعنية – المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو – في جولات تفاوضية تحت إشراف الأمم المتحدة وبدعم من قوى دولية فاعلة.
ويرى مراقبون أن المرحلة الحالية قد تشكل منعطفًا حقيقيًا، خاصة في ظل تزايد القناعة الدولية بأن مقاربة “اللاحسم” لم تعد تخدم الاستقرار الإقليمي، وأن الحل القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل أرضية عملية تضمن كرامة الساكنة وتحفظ الأمن في منطقة الساحل والصحراء التي تعرف تحديات أمنية متصاعدة.
المغرب… من الدفاع إلى المبادرة
نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في الانتقال من موقع الدفاع الدبلوماسي إلى موقع المبادرة الاستراتيجية، مستندًا إلى شرعية تاريخية وقانونية، وإلى رؤية تنموية واضحة، وإلى شبكة تحالفات دولية متنامية.
فالخطاب المغربي لم يعد يقتصر على التأكيد على مغربية الصحراء، بل أصبح يرتكز على تقديم نموذج تنموي ملموس، وعلى الدعوة إلى شراكات إقليمية تقوم على منطق الربح المشترك، في مقابل أطروحات جامدة لم تستطع مواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
تصريحات وزير الخارجية الإسباني ليست مجرد موقف عابر، بل تعبير عن تحول أوروبي أعمق بات يميل إلى الواقعية السياسية وإلى دعم حل نهائي لهذا النزاع المزمن. وبعد نصف قرن من التجاذبات، يبدو أن المجتمع الدولي يقترب أكثر من تبني رؤية تقوم على التوافق والاستقرار والتنمية.
ويبقى الرهان اليوم على ترجمة هذا الزخم الدبلوماسي إلى تقدم ملموس في المسار الأممي، بما يضع حدًا لنزاع طال أمده، ويكرس نجاح المغرب في تثبيت سيادته وتعزيز مكانته كشريك موثوق واستقرار محوري في شمال إفريقيا وغربها.






