خرجات متناقضة لوزير داخل الحكومة: نزار بركة ينتقد الحصيلة التي يشارك في صناعتها ويثير جدلاً سياسياً حول منطق المسؤولية والمحاسبة

أثارت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، موجة من الجدل السياسي، بعدما اختار توجيه انتقادات مباشرة لعدد من مؤشرات الأداء الحكومي، وعلى رأسها ملف التشغيل والقدرة الشرائية، في وقت يشغل فيه موقعاً مركزياً داخل الفريق الحكومي، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود الخطاب السياسي حين يصدر عن مسؤول تنفيذي يفترض فيه تحمل المسؤولية بدل الاكتفاء بالتشخيص.
ففي مداخلة أمام فريق حزبه بالبرلمان، قدم بركة قراءة نقدية لحصيلة الحكومة، معتبراً أن نسبة البطالة لم تعرف الانخفاض المأمول، حيث انتقلت بشكل طفيف من 13.6% إلى 13% رغم الارتفاع الكبير في حجم الاستثمارات العمومية، كما أقر بضعف مواكبة القطاع الخاص لهذه الدينامية، وباستمرار هشاشة مشاركة النساء في سوق الشغل، فضلاً عن تراجع القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، واستمرار اختلالات سوق المحروقات وارتفاع الأسعار بشكل يفوق المعدلات الدولية.
غير أن هذه الخرجات، بدل أن تُقرأ في سياق نقد ذاتي مسؤول، وُوجهت بانتقادات واسعة اعتبرتها ضرباً من التناقض السياسي الصارخ، إذ كيف يمكن لوزير يمارس السلطة التنفيذية يومياً أن يقدم نفسه في موقع المراقب أو المعارض؟ وكيف يستقيم أن ينتقد اختلالات حكومية وهو جزء من آليات اتخاذ القرار داخلها؟ وهو ما جعل عدداً من المتتبعين يعتبرون أن هذا الخطاب يفتقر إلى الانسجام، بل ويقع في مفارقة أخلاقية واضحة، مفادها أن انتقاد الحكومة من داخلها دون تحمل تبعات ذلك، هو نوع من التنصل غير المقبول من المسؤولية.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن ما صدر عن بركة يعكس أسلوباً سياسياً يقوم على محاولة تسجيل نقاط خطابية دون امتلاك الجرأة الكاملة لتحمل الكلفة السياسية للمواقف، وهو ما جعل البعض يصف هذه الخرجات بأنها أقرب إلى منطق “الفاعل الذي يشارك في القرار ثم يتبرأ من نتائجه”، في صورة تلخصها العبارة المتداولة: “يشتغل بعقلية من يحضر الفعل ثم يقف خارج محاسبته”.
الانتقادات لم تقف عند هذا الحد، بل ذهبت إلى اعتبار أن حديث الوزير عن ضعف نتائج التشغيل أو ارتفاع الأسعار لا يحمل أي قيمة مضافة ما لم يقترن بإجراءات ملموسة داخل القطاعات الحكومية التي ينتمي إليها، خاصة وأن الحكومة التي يشارك فيها التزمت منذ بداية ولايتها بأهداف واضحة، من بينها خلق فرص الشغل وتحسين القدرة الشرائية، وهو ما يفرض، وفق نفس الآراء، خطاباً سياسياً أكثر مسؤولية ووضوحاً، إما بالدفاع عن الحصيلة أو بالتحمل الكامل لمسؤولية الإخفاق.
كما أن إثارة قضايا حساسة من قبيل “ثقافة الجشع” واستمرار المضاربات في الأسواق، وإن كانت تعكس واقعاً يعيشه المواطن، إلا أنها تطرح بدورها سؤالاً أكبر: ما الذي قامت به الحكومة، ومن ضمنها الوزير نفسه، لوقف هذه الاختلالات؟ وهل يكفي الاعتراف بوجود المشكلة دون تقديم حلول عملية؟ وهو ما يجعل هذه التصريحات تبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى توصيف عام لا يرقى إلى مستوى الفعل الحكومي المطلوب.
وفي ما يتعلق بملف السيادة الغذائية وإصلاح أنظمة التقاعد، فإن الإقرار بتأخر هذه الأوراش يعيد النقاش إلى نقطة البداية، حيث تُطرح مسألة الزمن السياسي المهدور، خاصة وأن هذه الملفات كانت ضمن أولويات البرنامج الحكومي، غير أن غياب التوافق وارتباك التدبير حالا دون تحقيق تقدم ملموس، وهو ما يزيد من حدة الانتقادات الموجهة للأغلبية الحكومية بكل مكوناتها.
في المحصلة، تبدو تصريحات نزار بركة مؤشراً على أزمة خطاب داخل الأغلبية الحكومية، حيث يختلط النقد بالتبرير، وتضيع الحدود بين موقع المسؤولية وموقع المعارضة، وهو وضع يطرح تحدياً حقيقياً أمام الفاعل السياسي المغربي: إما وضوح في الموقف وتحمل كامل للمسؤولية، أو صمت ينسجم مع منطق الانتماء الحكومي، لأن الجمع بين الموقعين معاً لا ينتج سوى خطاب مرتبك يفقد ثقة الرأي العام.






