سياسة

بين التقارب السياسي وحرب السرديات.. لماذا تصاعدت حملات بعض وسائل الإعلام الفرنسية والإسبانية ضد المغرب في هذا التوقيت؟

في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات المغربية مع كل من فرنسا وإسبانيا مرحلة غير مسبوقة من التقارب السياسي والاستراتيجي، برزت خلال الأيام الأخيرة موجة من التقارير والروبورتاجات والمقالات في عدد من المنابر الإعلامية الفرنسية والإسبانية ركزت على ملفات خلافية وقضايا حساسة مرتبطة بالمغرب، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول توقيت هذا الزخم الإعلامي، وما إذا كان مجرد تزامن مهني أم أنه يعكس صراعا موازيا يدور في ساحة الإعلام والرأي العام.

وإذا كان من حق أي وسيلة إعلامية تناول أي ملف، فإن القراءة السياسية للأحداث تفرض التمييز بين التغطية الإخبارية الطبيعية وبين تزامن نشر عدة ملفات حساسة في لحظة سياسية دقيقة تعرف إعادة رسم خريطة التحالفات بين الرباط والعواصم الأوروبية.

تقارب سياسي غير مسبوق يزعج أطرافا عديدة

يصعب فصل هذا الحراك الإعلامي عن التحول الكبير الذي تعرفه العلاقات المغربية الفرنسية منذ اعتراف باريس بمغربية الصحراء سنة 2024، وهو القرار الذي فتح الباب أمام شراكة استراتيجية جديدة انتقلت من مرحلة المصالحة إلى مرحلة بناء تحالف طويل الأمد في مجالات الدفاع والاستثمار والطاقة والأمن والهجرة. وقد جاءت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط لتؤكد أن البلدين يتجهان نحو مستوى أعلى من التعاون، مع الحديث عن معاهدة صداقة جديدة تتجاوز في طموحها الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية.

وفي الاتجاه نفسه، أصبحت العلاقات المغربية الإسبانية أكثر استقرارا منذ دعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي، وهو ما انعكس على التعاون الأمني وضبط الهجرة والاستثمارات والتنسيق الاقتصادي.

هذه التحولات الاستراتيجية لا ترضي بالضرورة جميع الفاعلين السياسيين والإعلاميين داخل أوروبا، خاصة التيارات التي كانت تراهن على استمرار القطيعة بين الرباط وبعض العواصم الأوروبية.

لماذا عاد الحديث عن الملفات القديمة الآن؟

اللافت أن بعض وسائل الإعلام الفرنسية أعادت في الأيام الماضية تسليط الضوء على ملفات قديمة مثل قضية “بيغاسوس”، رغم أن التحقيقات فيها تعود إلى سنوات، كما أعادت تناول ملفات مرتبطة بحقوق الإنسان أو بقضايا صحافيين معارضين، مع منحها مساحة إعلامية واسعة تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء الفرنسي إلى المغرب.

ولا يعني هذا أن هذه الملفات غير موجودة أو لا تستحق المتابعة، لكن توقيت إعادة إبرازها بالتزامن مع إعلان مرحلة جديدة من العلاقات المغربية الفرنسية يفتح الباب أمام قراءات سياسية متعددة.

الإعلام ليس كتلة واحدة

ومن المهم في المقابل تجنب التعميم. فلا يمكن الحديث عن “الإعلام الفرنسي” أو “الإعلام الإسباني” باعتباره موقفا موحدا، إذ توجد داخل هذين البلدين مؤسسات إعلامية ذات توجهات مختلفة، بعضها تناول التقارب المغربي الفرنسي باعتباره تحولا استراتيجيا إيجابيا يخدم مصالح الطرفين، بينما اختارت مؤسسات أخرى التركيز على الملفات الخلافية.

وهذا التباين يعكس تعددية المشهد الإعلامي الأوروبي، حيث تتداخل الاعتبارات المهنية مع الخلفيات السياسية والاقتصادية والإيديولوجية.

المغرب أصبح رقما صعبا في المنطقة

ما يزيد من حساسية المرحلة أن المغرب لم يعد مجرد شريك إقليمي تقليدي، بل أصبح فاعلا محوريا في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار وربط إفريقيا بأوروبا.

كما أن المملكة نظمت كأس إفريقيا للأمم 2025،و أبهرت العالم، وتواصل التحضير المشترك مع إسبانيا والبرتغال لاحتضان كأس العالم 2030، إلى جانب تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة واستقطاب استثمارات دولية كبرى.

هذا الصعود الطبيعي يجعل المغرب أكثر حضورا في النقاش الإعلامي الأوروبي، لكنه يجعله أيضا أكثر عرضة للنقد ولحملات إعلامية متباينة.

حرب السرديات

ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في خلاف سياسي، بل يدخل ضمن ما يسمى في العلاقات الدولية بـ”حرب السرديات”، حيث تحاول كل جهة فرض روايتها للأحداث والتأثير في الرأي العام.

ففي عالم اليوم لم تعد المواجهة تقتصر على الدبلوماسية أو الاقتصاد، بل أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية جزءا من أدوات القوة الناعمة، إذ تسعى الدول والجماعات المختلفة إلى التأثير في الصورة الذهنية للدول المنافسة أو الشريكة.

العلاقات بين الدول لا تبنى على العناوين الإعلامية

ورغم الضجيج الإعلامي، فإن المؤشرات السياسية الحالية لا توحي بوجود تراجع في العلاقات الرسمية بين الرباط وباريس أو بين الرباط ومدريد، بل على العكس، تؤكد اللقاءات الرسمية والاتفاقيات الموقعة استمرار مسار التقارب والتنسيق في ملفات استراتيجية كبرى.

وتاريخ العلاقات الدولية يبين أن وسائل الإعلام قد تثير أحيانا نقاشات حادة أو تضخم ملفات خلافية، لكن القرار السياسي يبقى في النهاية رهين مصالح الدول وحساباتها الاستراتيجية، وهي مصالح تبدو اليوم أقوى من أي وقت مضى بين المغرب وشريكيه الفرنسي والإسباني.

وفي ظل هذا الواقع، يبقى التحدي الحقيقي أمام المغرب ليس في الرد على كل مادة إعلامية أو مقال صحفي، وإنما في مواصلة تعزيز حضوره الدبلوماسي والاقتصادي والإعلامي، لأن بناء الصورة الدولية لأي دولة لا يتحقق عبر ردود الفعل، بل عبر الإنجازات، واستمرارية الشراكات، والقدرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بخطاب موثوق ومتوازن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى