“ذكاء” فوق الورق وبؤس فوق الرصيف: عمدة فاس ومجلسه في متاهة “المدن الذكية”!

خرجت علينا منصات جماعة فاس، بفيض من الصور والعبارات الرنانة، لتغطية ما وُصف بـ”اليوم الدراسي” حول “إعداد استراتيجية المدينة الذكية لفاس”. لقاءٌ دُبّجت له عناوين ضخمة من قبيل “التفكير الاستشرافي”، “فرص الذكاء الاصطناعي”، و”الانتقال الطاقي”، وبحضور “نخبة من الخبراء”. لكن، وكما جرت العادة مع تجارب العمدة عبد السلام البقالي، انتهى اللقاء كما بدأ: “خاوي على عروشه”، بلا مخرجات ملموسة، ليرتفع حجم التساؤل حول استمرار مسلسل هدر الزمن والمال العام في بيع الوهم لساكنة العاصمة العلمية.
مخرجات “تثير الشفقة”: شعارات مستنسخة لواقع مرير
توصيات اللقاء الدراسي جاءت عبارة عن “إنشاءات تعبيرية” يمكن لأي طالب في الطور الابتدائي صياغتها عبر محركات البحث. يتحدث المجلس عن “تسخير التكنولوجيا” و”جعل المواطن في قلب المبادرة”، بينما الواقع يثبت أن المواطن الفاسي في قلب المعاناة اليومية. إن الحديث عن “الذكاء الاصطناعي” في مدينة تفتقر لأبسط مقومات “الذكاء الإداري والتدبيري” هو نوع من العبث والترف الفكري الذي لا يسمن ولا يغني من جوع.
ما هي “المدينة الذكية” التي يجهلها البقالي ومجلسه؟
يبدو أن القائمين على الشأن المحلي بفاس يظنون أن المدينة الذكية هي التقاط الصور مع شاشات العرض (Projectors) وإطلاق منصات رقمية لا تشتغل. المدينة الذكية لا تبدأ من الفضاء الأزرق، بل تنطلق من الأرض، من البنية التحتية الصلبة التي تفتقدها فاس تماماً:
-
النقل الحضري الذكي: أين هي شبكة النقل التي تُدار بأنظمة تتبع حية (GPS) لتمكين المواطن من معرفة توقيت الحافلات بالثانية؟
-
مخطط السير والجولان: فاس تعيش اختناقاً مرورياً بدائياً. المدينة الذكية تعني إشارات مرور ديناميكية تشتغل بـ “الاستشعار” لتخفيف الضغط، وتنزيل مخطط سير وعلامات تشوير واضحة وممرات خاصة بالراجلين والدراجات، وليس الفوضى العارمة التي تشهدها شوارع المدينة.
-
التدبير الذكي للنفايات: حاويات مجهزة بمستشعرات تخبر شاحنات الجمع بامتلائها لتحسين مسارات النقل وتوفير الطاقة، بدلاً من تكدس الأزبال في أحياء عريقة.
-
الإنارة العمومية التفاعلية: شبكات إضاءة ذكية تخفض استهلاك الطاقة تلقائياً بناءً على الحركة في الشوارع.
-
رقمنة الخدمات الجماعية الفعالة: إنهاء طوابير “المقاطعات” وتقديم خدمات القرب عبر تطبيقات حقيقية، لا مشاريع تولد ميتة.
تجارب البقالي: سجل حافل بـ “الفراغ والفشل” وهدر المال العام
ليست هذه المرة الأولى التي يطلق فيها العمدة البقالي تجارب ومشاريع يتبين لاحقاً أنها مجرد فقاعات هوائية. لقد سئم أهل فاس من مشاريع الرقمنة “الاستعراضية” التي تلتهم الميزانيات دون أي أثر على المعيش اليومي. كل التجارب السابقة أثبتت غياب الخبرة والكفاءة في تنزيل هذه المخططات، حيث تتحول الاستراتيجيات إلى صفقات استشارية “تغني” المكاتب المحظوظة وتترك المدينة غارقة في عشوائيتها.
إن مدينة فاس لا تحتاج إلى “أيام دراسية” لالتقاط الصور وتبادل الابتسامات، بل تحتاج إلى مسؤولين يملكون غيرة على أزقتها وشوارعها. إن محاولة قفز المجلس الجماعي نحو “الذكاء الاصطناعي” والمدينة الذكية، قبل إصلاح الحفر التي تؤثث الشوارع وقبل توفير حافلات تحترم كرامة الإنسان، هو تجسيد حقيقي للمثل القائل: “المنديل د الحرير، والظهر د الخنزير”. كفى هدراً للوقت والمال، ففاس تستحق تدبيراً واقعياً لا افتراضياً!






