جهة فاس ـ مكناس تحت مجهر اليقظة الانتخابية.. استنفار غير مسبوق للسلطات لتنزيل التعليمات الملكية ومراقبة كل التحركات قبل استحقاقات 2026

دخلت جهة فاس ـ مكناس مرحلة جديدة عنوانها اليقظة الانتخابية المشددة، في ظل التحضيرات المكثفة التي تشهدها المملكة قبل الانتخابات التشريعية المرتقبة لسنة 2026، حيث بدأت مؤشرات التنزيل الميداني للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى ضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة تظهر بشكل واضح على مستوى مختلف أقاليم الجهة، عبر تحركات رقابية مكثفة تقودها السلطات الترابية بتنسيق مع مختلف المؤسسات المعنية.
ويأتي هذا الحراك مباشرة بعد الاجتماع الذي ترأسه وزير الداخلية مع الأمناء العامين وممثلي الأحزاب السياسية، والذي تم خلاله عرض مشاريع القوانين التنظيمية المؤطرة للاستحقاقات المقبلة، إلى جانب التأكيد على توفير جميع الضمانات الكفيلة بصون نزاهة العملية الانتخابية، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، بعيدا عن أي ممارسات من شأنها التأثير على إرادة الناخبين.
غير أن ما يلفت الانتباه بجهة فاس ـ مكناس هو أن هذه التوجيهات لم تبق حبيسة الاجتماعات المركزية، بل انتقلت بسرعة إلى مرحلة التنفيذ الميداني، حيث دخلت السلطات الترابية سباقا مع الزمن لرصد وتتبع مختلف التحركات التي قد تحمل طابعا انتخابيا سابقا لأوانه، في إطار مقاربة استباقية تروم حماية المسار الديمقراطي من أي انحرافات محتملة.
وتستند هذه التعبئة إلى التوجيهات الملكية السامية التي دعت إلى توفير جميع شروط النزاهة والشفافية، والتي جرى تفعيلها من خلال إحداث لجنة مركزية لتتبع الانتخابات، إلى جانب لجان ولائية يرأسها ولاة الجهات، ولجان إقليمية يرأسها عمال العمالات والأقاليم، بمشاركة مسؤولي النيابة العامة ووكلاء الملك ومختلف المصالح المختصة، بما يضمن التنسيق المؤسساتي والتدخل السريع عند تسجيل أي تجاوز.
وبحسب معطيات متطابقة، فإن مختلف أقاليم جهة فاس ـ مكناس تعرف خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في وتيرة المتابعة الميدانية، حيث أصبحت أنشطة المنتخبين والجماعات الترابية والأحزاب السياسية محل تتبع دقيق، خاصة تلك التي قد تكتسي طابعا دعائيا أو تستغل المرافق العمومية أو المال العام في التمهيد لحملات انتخابية سابقة لأوانها.
ويبرز هذا التشديد الرقابي بشكل خاص في البرامج الاحتفالية والمهرجانات المحلية والأنشطة الاجتماعية التي اعتادت بعض الجهات توظيفها سياسيا، إذ أصبحت تخضع لتدقيق أكبر للتأكد من عدم استغلالها في استمالة الناخبين أو توظيفها لأغراض انتخابية خارج الإطار القانوني و حتى الدفع الى منعها بشكل كلي.
كما امتدت المراقبة إلى المشاريع التنموية، خاصة المتعلقة بالتأهيل الحضري، وتعبيد الطرق، وتهيئة المراكز الصاعدة، ومشاريع العالم القروي، حيث تشير المعطيات إلى أن السلطات أصبحت تحرص على إبعاد المنتخبين عن أي محاولة لتحويل هذه الأوراش، الممولة من المال العام، إلى أدوات للدعاية السياسية أو تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازات انتخابية شخصية.
وفي السياق ذاته، تشهد تحركات ممثلي الأحزاب السياسية متابعة دقيقة، سواء تعلق الأمر باللقاءات التنظيمية أو الأنشطة التواصلية أو التنقلات الميدانية، وذلك في إطار الحرص على احترام القوانين المنظمة للعملية الانتخابية وضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفاعلين السياسيين.
وتؤكد مصادر متطابقة أن تعليمات واضحة جرى تعميمها على مختلف رجال السلطة، من رؤسء الشؤون الداخلية و باشاوات ورؤساء دوائر وقياد وخلفاء وأعوان السلطة، تشدد على ضرورة الالتزام بالحياد الكامل، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يثير شبهة الانحياز لأي حزب أو مرشح، مع التشديد على التطبيق الصارم للقانون في مواجهة أي تجاوز محتمل، أيا كان مصدره.
ويأتي ذلك في انسجام مع التوجه الذي تبنته وزارة الداخلية خلال السنوات الأخيرة، والقائم على تحصين المسار الانتخابي من كل الممارسات التي كانت تثير الجدل في محطات سابقة، سواء تعلق الأمر باستغلال النفوذ، أو توظيف المال، أو استغلال المشاريع العمومية، أو تنظيم أنشطة ذات حمولة انتخابية خارج الآجال القانونية.
ويرى متابعون أن ما تشهده جهة فاس ـ مكناس يعكس إرادة قوية لفرض الانضباط منذ المراحل الأولى للتحضير للاستحقاقات المقبلة، خاصة أن الجهة تعد من أكثر الجهات التي تعرف تنافسا سياسيا وانتخابيا، وهو ما يفرض يقظة مضاعفة لضمان مرور العملية الانتخابية في أجواء سليمة.
ولا يقتصر هذا الاستنفار على السلطات الترابية فقط، بل تشارك فيه مختلف الأجهزة والمؤسسات المعنية، كل من موقع اختصاصه، ضمن منظومة متكاملة هدفها حماية الاختيار الديمقراطي، وترسيخ الثقة في صناديق الاقتراع، والتصدي لأي محاولة للالتفاف على القانون أو التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تبدو جهة فاس ـ مكناس أمام مرحلة عنوانها “الرقابة الاستباقية”، حيث لم يعد الرهان يقتصر على تنظيم الاقتراع يوم التصويت، بل أصبح يبدأ قبل أشهر من فتح مكاتب التصويت، من خلال مراقبة المال الانتخابي، وتتبع الأنشطة ذات الخلفية السياسية، وضبط استغلال المرافق العمومية، وتحييد الإدارة الترابية، بما يضمن احترام القانون وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص، في أفق تنظيم استحقاقات تعكس الإرادة الحرة للناخبين وتنسجم مع الرؤية الملكية لإرساء ممارسة ديمقراطية مسؤولة.
وتؤكد المؤشرات الميدانية أن جهة فاس ـ مكناس ستكون من بين أولى الجهات التي سيظهر فيها الأثر العملي لهذه المقاربة الجديدة، في ظل يقظة مرتفعة واستنفار متواصل، عنوانه الأبرز أن القانون سيبقى المرجع الوحيد، وأن أي محاولة لاستباق الحملة الانتخابية أو استغلال مؤسسات الدولة أو المال العام ستظل تحت أعين أجهزة المراقبة، حفاظا على نزاهة الاستحقاقات المقبلة ومصداقيتها.






