اقتصاد

عام من التأسيس… الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس ترسخ نموذجاً جديداً لتدبير المرافق العمومية وتنجح في اختبار الأزمات

من ورش إصلاحي وطني إلى مؤسسة جهوية حديثة

يشكل مرور سنة على الانطلاقة الرسمية للشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس مناسبة للوقوف عند حصيلة مؤسسة ولدت في سياق أحد أكبر الأوراش الإصلاحية التي أطلقتها الدولة المغربية لإعادة هيكلة قطاع توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل. فإحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات لم يكن مجرد تغيير إداري أو قانوني، بل جاء استجابة لحاجة ملحة إلى إرساء نموذج جديد للحكامة يقوم على توحيد التدبير، وتحسين جودة الخدمات، وتسريع الاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز القرب من المرتفق.

ومنذ انطلاقها الرسمي، تحملت الشركة مسؤولية تدبير ثلاثة قطاعات حيوية داخل واحدة من أكبر جهات المملكة، تضم ثمانية أقاليم وعمالتين، وتتميز بتنوع تضاريسها بين السهول والجبال والمناطق القروية، وهو ما يجعل تدبير الشبكات من أكثر المهام التقنية تعقيداً على الصعيد الوطني.

سنة أولى… من التأسيس الإداري إلى الحضور الميداني

لم تمنح الظروف الشركة فترة انتقالية طويلة، إذ وجدت نفسها منذ الأشهر الأولى أمام تحديات كبرى فرضتها التقلبات المناخية، والضغط المتزايد على شبكات الماء والكهرباء، والحاجة إلى ضمان استمرارية المرفق العمومي دون انقطاع، بالتوازي مع إعادة تنظيم الموارد البشرية، وتوحيد الأنظمة المعلوماتية، وإرساء منظومة تدبير جديدة.

ورغم حداثة التجربة، نجحت المؤسسة في الانتقال بسرعة من مرحلة البناء المؤسساتي إلى مرحلة التدخل الميداني، معتمدة على فرق تقنية تعمل بنظام المداومة على مدار الساعة، وآليات للتنسيق المستمر مع السلطات الترابية ومراكز القيادة الجهوية.

11.470 تدخلاً ميدانياً… أرقام تعكس حجم التعبئة

كانت موجة الأمطار الغزيرة والثلوج التي عرفتها جهة فاس–مكناس خلال الشتاء الماضي أول اختبار حقيقي للشركة، حيث كشفت حصيلة رسمية عن تنفيذ 11.470 تدخلاً ميدانياً في فترة وجيزة، شملت إصلاح الأعطاب، وإعادة تشغيل الشبكات، وتأمين منشآت الماء والكهرباء والتطهير السائل، والتدخل الاستعجالي لإزالة آثار الفيضانات، وذلك في إطار تنسيق مباشر مع ولاية جهة فاس–مكناس ولجان اليقظة الإقليمية والسلطات المحلية.

ولم تكن هذه التدخلات مجرد عمليات تقنية، بل شكلت نموذجاً جديداً في تدبير الأزمات، حيث ظلت الفرق التقنية مرابطة في الميدان ليلاً ونهاراً، مع تعبئة الموارد البشرية والآليات الثقيلة لضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

فيضانات تاونات وتازة… استنفار لحماية المرفق العمومي

من أبرز المحطات التي بصمت السنة الأولى للشركة، تدخلاتها خلال الفيضانات التي عرفتها أقاليم تاونات وتازة، حيث سخرت فرقها لإصلاح الأضرار التي لحقت بالبنيات التحتية، وتأمين محطات الضخ، وإعادة تشغيل الشبكات الكهربائية والمائية، مع الحرص على حماية منشآت التطهير السائل من الانهيارات والاختناقات.

كما شاركت في عمليات التدخل الميداني إلى جانب مختلف المتدخلين، بما ساهم في الحد من آثار الاضطرابات وإعادة الخدمات إلى الساكنة في أسرع الآجال، مؤكدة أن المرفق العمومي لا يتوقف حتى في أصعب الظروف المناخية.

الثلوج بإفران والحاجب… معركة لإعادة الكهرباء

لم تكن التساقطات الثلجية الكثيفة التي عرفتها مرتفعات إفران والحاجب أقل صعوبة، إذ تسببت في انقطاعات كهربائية بعدد من المناطق، غير أن الشركة سارعت إلى تعبئة فرق التدخل المختصة، التي اشتغلت في ظروف مناخية قاسية لإصلاح الأعطاب وإعادة التيار الكهربائي، مع مواصلة التدخلات رغم صعوبة المسالك الجبلية وانخفاض درجات الحرارة.

وقد عكست هذه العمليات جاهزية المؤسسة للتعامل مع الأزمات المناخية، وقدرتها على ضمان استمرارية الخدمة حتى في المناطق الأكثر وعورة.

أزمة الماء بفاس ومكناس… تواصل شفاف وتعبئة متواصلة

واجهت الشركة خلال يونيو 2026 واحدة من أصعب الأزمات المرتبطة بالتزود بالماء، إثر العطب التقني الذي أصاب قناة الجر الرئيسية القادمة من سد إدريس الأول، وهو العطب الذي كان خارج اختصاصها المباشر، باعتبار أن منشآت الإنتاج تابعة للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

ورغم ذلك، قادت الشركة تعبئة ميدانية واسعة، وعملت على تدبير توزيع المياه داخل الشبكات، وإعادة برمجة التزويد، وإصدار بلاغات متواصلة لشرح تطورات الوضع، مع التنسيق التقني المستمر إلى حين استعادة التزويد بشكل تدريجي. وقد أشادت عدة فعاليات بسرعة التواصل مع المواطنين واعتماد سياسة الإخبار الاستباقي، وهو ما ساهم في الحد من انتشار الإشاعات خلال الأزمة.

المرتفق في قلب الاستراتيجية الجديدة

ومنذ انطلاقها، سعت الشركة إلى بناء علاقة جديدة مع المرتفق، تقوم على القرب والشفافية وسرعة الاستجابة، عبر تحديث الوكالات التجارية، وتطوير الخدمات الرقمية، واعتماد الأداء الإلكتروني، وتعزيز قنوات استقبال الشكايات، إلى جانب اعتماد تواصل مؤسساتي منتظم عبر البلاغات الرسمية والمنصات الرقمية لتفسير أسباب الانقطاعات والأعطاب وبرامج الصيانة.

وقد شكل هذا التحول إحدى أبرز نقاط القوة خلال السنة الأولى، إذ انتقلت المؤسسة من منطق التدبير التقليدي إلى منطق التواصل الدائم مع المواطن.

الاستثمار… رهان المستقبل

بموازاة التدخلات اليومية، وضعت الشركة الاستثمار في صلب أولوياتها، حيث كشفت خلال لقاءاتها التشاورية مع الجماعات الترابية بإقليم تاونات عن برنامج استثماري يناهز 3 مليارات درهم، مخصص لتقوية شبكات الماء والكهرباء والتطهير السائل، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين جودة الخدمات، خاصة بالعالم القروي والمراكز الصاعدة.

ويؤكد هذا التوجه أن المؤسسة لا تكتفي بتدبير الأعطاب اليومية، بل تشتغل وفق رؤية بعيدة المدى تستهدف تحديث البنيات التحتية وتأمين الأمن المائي والطاقي للجهة.

حصيلة تؤسس لمؤسسة المستقبل

بعد سنة واحدة فقط، أثبتت الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس–مكناس أنها ليست مجرد هيئة لتدبير الفواتير أو إصلاح الأعطاب، بل مؤسسة جهوية استراتيجية أصبحت جزءاً أساسياً من منظومة الأمن المائي والطاقي بالجهة. فقد نجحت في اجتياز اختبارات ميدانية صعبة، وأثبتت قدرة كبيرة على تعبئة مواردها البشرية والتقنية في مواجهة الفيضانات والثلوج والأعطاب الكبرى، مع الحفاظ على استمرارية المرفق العمومي وتعزيز التواصل مع المرتفقين.

وتبقى المرحلة المقبلة رهينة بمواصلة الاستثمار في تحديث الشبكات، وتسريع الرقمنة، وتحسين جودة الخدمات، حتى تترجم هذه السنة التأسيسية إلى مسار مستدام يجعل الشركة نموذجاً وطنياً في الحكامة الجهوية وتدبير المرافق العمومية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى