منحة التعليم العالي بين أمل الطلبة وهاجس الإقصاء.. شروط جديدة تثير القلق وآلاف الأسر مطالبة بالتسجيل في السجل الاجتماعي الموحد

مع اقتراب انطلاق الموسم الجامعي 2026-2027، عاد ملف المنح الجامعية إلى واجهة النقاش، ليس فقط بسبب الإعلان عن شروط الاستفادة وآجال إيداع الطلبات، وإنما أيضا بسبب استمرار معاناة آلاف التلاميذ والأسر التي ترى في المنحة الجامعية طوق نجاة لمواصلة الدراسة في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف المعيشة والسكن والنقل والإطعام.
ورغم أن وزارة الداخلية ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أعلنتا رسميا عن انطلاق عملية إيداع طلبات الاستفادة من منح التعليم العالي والتكوين المهني عبر البوابة الرقمية “منحتي”، فإن عددا كبيرا من الأسر ما يزال يعيش حالة من القلق والترقب، خشية عدم استيفاء الشروط الجديدة التي أصبحت تربط الاستفادة بالسجل الاجتماعي الموحد، وهو ما يثير مخاوف من حرمان فئات واسعة من الطلبة الذين يعانون أوضاعا اجتماعية هشة.
ووفق الدورية المشتركة الصادرة عن الوزارتين، فإن فترة إيداع الطلبات تمتد من 15 يوليوز إلى 18 أكتوبر 2026، بشكل حصري عبر المنصة الإلكترونية “منحتي”، في إطار مواصلة رقمنة الخدمات الإدارية وتبسيط المساطر أمام المترشحين.
غير أن أبرز مستجد حملته هذه العملية يتمثل في اعتماد السجل الاجتماعي الموحد (RSU) كمعيار أساسي لتحديد المستفيدين، حيث أصبح التسجيل فيه إلزاميا بالنسبة للمترشح وجميع أفراد أسرته، وهو الشرط الذي بات يحسم بشكل كبير في أهلية الاستفادة من المنحة، بعدما كانت اللجان الإقليمية تعتمد سابقا على دراسة الملفات والظروف الاجتماعية لكل مترشح.
كما حددت الدورية شروطا أخرى، من بينها ألا يتجاوز عمر المترشح 26 سنة عند اجتياز الدورة العادية لامتحان البكالوريا للموسم الحالي، وأن يكون حاصلا على شهادة البكالوريا برسم السنة الدراسية الجارية، إضافة إلى التوفر على البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية والإدلاء برقم “مسار” عند تقديم الطلب.
أما بالنسبة للحاصلين على شهادات البكالوريا الأجنبية، فقد تم تخصيص مسطرة إلكترونية خاصة تمكنهم من الحصول على رقم “مسار” بعد إرسال الوثائق المطلوبة إلى المصالح المختصة.
ورغم أهمية هذه الإجراءات في تعزيز الرقمنة والشفافية، فإنها لم تبدد مخاوف آلاف الأسر، خاصة في العالم القروي والمناطق الهامشية، حيث لا يزال عدد من المواطنين يواجهون صعوبات في استكمال إجراءات التسجيل بالسجل الاجتماعي الموحد أو الولوج إلى الخدمات الرقمية، الأمر الذي قد يحرم أبناءهم من حقهم في المنافسة على المنحة.
وتبقى المنحة الجامعية بالنسبة لعدد كبير من الطلبة أكثر من مجرد دعم مالي، إذ تشكل وسيلة أساسية لتغطية مصاريف الكراء والنقل والتغذية واقتناء الكتب واللوازم الجامعية، خصوصا بالنسبة للطلبة المنحدرين من الأسر محدودة الدخل الذين يضطر كثير منهم إلى متابعة الدراسة بعيدا عن مدنهم وقراهم.
ويؤكد عدد من الفاعلين في المجال التربوي أن قيمة المنحة، رغم أهميتها، لم تعد تواكب الارتفاع الكبير في تكاليف الحياة، حيث أصبحت المصاريف التي يتحملها الطالب الجامعي تتضاعف سنة بعد أخرى، ما يجعل العديد من الأسر عاجزة عن تحمل الأعباء المالية، حتى بالنسبة للطلبة المستفيدين من المنحة.
ومن بين المستجدات التي أثارت اهتمام الأسر أيضا، تأكيد الوزارتين أن صفة “ممنوح” أصبحت مرتبطة بشكل مباشر باستمرار التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد، إذ سيتم إيقاف صرف الأشطر المتبقية من المنحة في حال إلغاء قيد المستفيد أو أسرته من هذا السجل، وهو إجراء يفرض على الأسر تحيين معطياتها بشكل مستمر.
وفي المقابل، أسندت التعديلات الجديدة مهمة دراسة الطلبات إلى لجنة وزارية مركزية، تعتمد في قراراتها على المعطيات والمؤشرات الاجتماعية المستخرجة من السجل الاجتماعي الموحد، بعدما كانت هذه المهمة من اختصاص اللجان الإقليمية، في خطوة تقول الحكومة إنها تروم توحيد معايير الاستفادة وتعزيز الشفافية والعدالة في توزيع المنح.
ورغم هذه الإصلاحات، فإن الرهان الحقيقي يبقى في ضمان وصول المنحة إلى الطلبة الأكثر استحقاقا، وتفادي أي إقصاء غير مبرر بسبب عراقيل إدارية أو تقنية، خاصة وأن آلاف الأسر المغربية لا تزال تعتبر المنحة الجامعية الوسيلة الوحيدة التي تمكن أبناءها من مواصلة الدراسة وعدم الانقطاع عن الجامعة بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة.
وفي انتظار الإعلان عن اللوائح النهائية للمستفيدين، يظل الأمل معلقا على أن تحقق المنظومة الجديدة توازنا بين الرقمنة والعدالة الاجتماعية، وأن تنجح في إيصال هذا الدعم إلى الطلبة الذين يحتاجونه فعلا، حتى لا تتحول المنحة، التي يفترض أن تكون جسرا نحو تكافؤ الفرص، إلى مصدر جديد للقلق والإحباط لدى آلاف الشباب المغربي الباحث عن مستقبل أفضل.






