إعفاءات جديدة للمستوردين واللحم يواصل التحليق.. المغاربة خارج سوق اللحوم و”باطرونا الاستيراد” في قفص الاتهام

رغم توالي القرارات الحكومية الرامية إلى خفض أسعار اللحوم الحمراء، لا تزال الأسواق الوطنية تعيش على وقع مستويات قياسية للأسعار، جعلت اقتناء اللحم بالنسبة لآلاف الأسر المغربية أمراً بالغ الصعوبة، بعدما تجاوز سعر الكيلوغرام في عدد من المدن 180 درهماً، في مشهد يعكس، بحسب مهنيين وخبراء، فشل الإجراءات السابقة في تحقيق الهدف الأساسي المتمثل في حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وصادق مجلس الحكومة على مشروع مرسوم يقضي بوقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على الأغنام الحية ولحوم الأبقار والأغنام والماعز والإبل، مع تعديل الرسوم الجمركية الخاصة بأحشاء هذه الحيوانات، في خطوة قالت الحكومة إنها تروم تعزيز العرض بالسوق الوطنية والحد من ارتفاع الأسعار. غير أن هذا القرار قوبل بتشكيك واسع من قبل مهنيي القطاع، الذين يرون أن الإعفاءات الضريبية لم تحقق في السابق أي أثر ملموس على أسعار البيع للمستهلك، بل استفادت منها بالأساس شركات الاستيراد الكبرى التي راكمت هوامش ربح مهمة دون أن ينعكس ذلك على جيب المواطن.
ويؤكد مهنيون أن الجزارين الصغار ما زالوا يشترون اللحوم والماشية من كبار المستوردين بأثمان مرتفعة، وهو ما يجعلهم عاجزين عن تخفيض أسعار البيع، لتظل الحلقة الأضعف هي المستهلك المغربي الذي أصبح يكتفي في كثير من الأحيان بالنظر إلى واجهات محلات الجزارة دون القدرة على الشراء، بعدما تحول اللحم الأحمر من مادة غذائية أساسية إلى منتوج لا يقدر عليه سوى جزء من المواطنين.
وتزداد حدة الانتقادات مع استمرار ما يسميه فاعلون في القطاع بـ”احتكار الاستيراد”، حيث تتركز عمليات جلب المواشي واللحوم في يد عدد محدود من كبار الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى نجاعة سياسة الإعفاءات الضريبية إذا لم تكن مصحوبة بمراقبة صارمة للأسعار وهوامش الربح وضمان منافسة حقيقية داخل السوق.
ويرى عدد من المتابعين أن الحكومة قدمت خلال الأشهر الماضية امتيازات ضريبية وجمركية مهمة لفائدة المستوردين، على أمل أن تنخفض الأسعار، لكن الواقع يؤكد أن المستفيد الأكبر كان “باطرونا الاستيراد”، بينما ظل المواطن المغربي يدفع الثمن كاملاً، إذ لم يلمس أي تراجع حقيقي في أسعار اللحوم، بل على العكس استمرت الأسعار في الارتفاع رغم تراجع كلفة الأعلاف وتحسن الظروف المناخية ووفرة المراعي الطبيعية خلال الموسم الفلاحي الحالي.
ويؤكد خبراء في المجال الفلاحي أن المنطق الاقتصادي كان يفرض تسجيل انخفاض في أسعار اللحوم، بالنظر إلى تحسن وضعية القطيع الوطني وانخفاض تكاليف التربية بعد موسم فلاحي جيد، غير أن استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة يطرح أكثر من علامة استفهام حول طريقة اشتغال السوق، وحول مدى وجود اختلالات في سلاسل التوزيع والتسويق وهوامش الربح.
كما يثير توقيت صدور المرسوم الحكومي بدوره العديد من التساؤلات، إذ يرى مهنيون أنه كان من الأجدر اتخاذ هذه الإجراءات قبل عيد الأضحى أو خلاله، حين بلغت الأسعار مستويات غير مسبوقة، بدل إصدارها بعد أشهر من الأزمة، في وقت أصبح فيه المستهلك قد استنزف قدرته الشرائية، وأصبح العديد من الأسر يضطر إلى تقليص استهلاك اللحوم أو الاستغناء عنها بشكل شبه كامل.
ويطالب الفاعلون في القطاع بإعادة النظر في طريقة تدبير ملف الاستيراد، عبر فتح المجال أمام عدد أكبر من المتدخلين ومنع أي شكل من أشكال الاحتكار، مع تمكين مهنيي الجملة والتقسيط والكسابة من الولوج المباشر إلى عمليات الاستيراد بشروط متكافئة، بدل ترك السوق رهينة لفئة محدودة من كبار المستوردين.
كما تتزايد الدعوات إلى اعتماد تسقيف مؤقت لأسعار اللحوم الحمراء وتكثيف مراقبة الأسواق، حتى تصل آثار الإعفاءات والدعم إلى المستهلك النهائي، وليس إلى حلقات الوساطة فقط. فالإعفاءات الضريبية، مهما كانت أهميتها، تفقد جدواها إذا لم تنعكس مباشرة على الأسعار، وإذا لم يشعر المواطن بأن تلك الامتيازات خففت فعلاً من كلفة معيشته.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو حجم الإعفاءات التي تمنح للمستوردين، بل مدى استفادة المواطن المغربي منها. فالمغاربة ينتظرون انخفاضاً حقيقياً في أسعار اللحوم، وليس فقط قرارات إدارية جديدة. أما استمرار الأسعار في التحليق، رغم كل الامتيازات الممنوحة للاستيراد، فإنه يفرض مراجعة شاملة لهذا الملف، وربط أي دعم أو إعفاءات بالتزامات واضحة تتعلق بسقف الأسعار وهوامش الربح، حتى لا تتحول الأموال العمومية والامتيازات الضريبية إلى أرباح إضافية لفئة محدودة، فيما تبقى غالبية الأسر المغربية عاجزة عن شراء كيلوغرام واحد من اللحم الأحمر.






