خالد حاتيمي أمام اختبار تفكيك إرث وزارة الفلاحة.. مطالب بتجديد النخب وإنهاء زمن الحرس القديم وتغيير المسؤولين الجهويين والمؤسسات التابعة للقطاع.. وفاس–مكناس في مقدمة الانتظارات

لم يعد الرهان المطروح أمام خالد حاتيمي، وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، مرتبطاً فقط بمواصلة البرامج والاستراتيجيات التي ورثها عن سابقيه، وإنما أصبح يتعلق بمدى قدرته على إحداث تحول حقيقي في طريقة تدبير واحد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً في الاقتصاد الوطني والاستقرار الاجتماعي. فالوزارة التي انتقلت إلى عهدته تحمل إرثاً إدارياً ومؤسساتياً ثقيلاً، تراكم عبر سنوات طويلة من تدبير القطاع في عهد عزيز أخنوش، سواء عندما كان وزيراً للفلاحة أو خلال ترؤسه الحكومة، وهو ما يجعل المرحلة الجديدة مناسبة لإعادة تقييم المسؤوليات، ومراجعة أساليب التدبير، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها الفلاحة المغربية.
وتبرز اليوم، في أوساط مهنيين وفاعلين فلاحيين، مطالب متزايدة بضرورة القطع مع الجمود الإداري، وعدم الاكتفاء بتغيير اسم الوزير على رأس القطاع، في الوقت الذي تستمر فيه البنية نفسها من المسؤوليات والوجوه الإدارية التي ظلت تدبر مفاصل الوزارة ومؤسساتها لسنوات. فالتغيير الحكومي، إذا كان يستهدف فعلاً تجديد السياسات العمومية وإعادة ترتيب الأولويات، يفترض أن يمتد إلى مستويات التدبير المركزي والجهوي والمؤسسات العمومية، وفق معايير الكفاءة والمردودية والمحاسبة، وليس بمنطق تصفية الحسابات أو الاستبدال الشكلي للمسؤولين.
وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل الانتظارات التي صاحبت تعيين حاتيمي يوم 16 أكتوبر 2026، باعتباره وافداً على الوزارة من تجربة مهنية وبرلمانية مختلفة، راكم خلالها خبرة طويلة في تسيير المقاولات والصناعات الغذائية والفلاحية. وهي تجربة تضع أمامه فرصة لإعادة النظر في أساليب الحكامة، وربط المسؤولية بالنتائج، وإخضاع المؤسسات التابعة للقطاع لتقييم جدي لا يستثني أياً من مواقع القرار.
وقد بدأت مؤشرات الترقب تظهر حتى داخل الأوساط المهنية، إذ كشفت معطيات صحفية منشورة يوم 3 نونبر عن انتظار رؤساء الغرف الفلاحية الجهوية تفاعلاً مع طلبات لقاء وجهوها إلى الوزير الجديد، لمناقشة الملفات التي تشغل الفلاحين ومستقبل القطاع. وهذا المعطى يعكس أن أول اختبار سياسي وإداري أمام الوزير هو فتح قنوات التواصل مع ممثلي المهنيين، والاستماع إلى الانشغالات القادمة من الجهات، بدل استمرار المسافة بين مركز القرار والواقع اليومي للفلاحين.
فاس–مكناس أول محطة للمراجعة
ومن بين الملفات التي يفترض أن تحظى بالأولوية على مكتب الوزير الجديد، ملف المديريات الجهوية للفلاحة، باعتبارها الامتداد التنفيذي للوزارة داخل الجهات، والمسؤولة عن تنزيل البرامج الفلاحية وتتبع المشاريع والاستثمارات والتنسيق مع الغرف الفلاحية والهيئات المهنية ومختلف المتدخلين.
وفي هذا الإطار، تبرز جهة فاس–مكناس باعتبارها إحدى أهم الجهات الفلاحية بالمملكة، بما تتوفر عليه من مؤهلات إنتاجية متنوعة، من الحبوب والزيتون واللحوم والأشجار المثمرة إلى تربية الماشية والصناعات الغذائية. وهي جهة تضم أقاليم ذات خصوصيات فلاحية مختلفة، من سهول سايس والحاجب إلى المناطق الجبلية ببولمان وإفران وصفرو وتاونات وتازة.
ولهذا، فإن المطالبة بفتح ملف المديرية الجهوية للفلاحة بفاس–مكناس ليست مجرد مطلب مرتبط بتغيير المسؤولين، بل ترتبط بسؤال جوهري حول مدى نجاعة التدبير الجهوي، ومستوى مواكبة الفلاحين، وحجم التفاعل مع المشاكل التي تعترض مختلف السلاسل الإنتاجية، ومدى قدرة المسؤولين على نقل انتظارات المهنيين إلى مركز القرار.
وتوجد على رأس المديرية الجهوية للفلاحة بفاس–مكناس مسؤولية يتولاها كمال هيدان، الذي يتولى كذلك مهمة المفوض العام للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب. وهو تداخل في المسؤوليات يفتح بدوره نقاشاً حول توزيع المهام، وتقييم الأداء، ومدى الحاجة إلى ضخ دماء جديدة في مناصب التدبير الجهوي والمؤسساتي.
فالجهة لا تحتاج إلى مسؤولين يكتفون بعرض المؤشرات الإيجابية للمواسم الفلاحية خلال اللقاءات الرسمية، وإنما تحتاج إلى إدارة قريبة من الفلاحين، تتابع مشاكلهم في الحقول والأسواق، وتتحمل مسؤولية معالجة الاختلالات المرتبطة بالتسويق والتساقطات والري والدعم الفلاحي وتربية الماشية، وتقدم أجوبة واضحة عن المشاريع التي لم تحقق أهدافها أو تأخر تنفيذها.
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى أن الاختصاصات القانونية للمديريات الجهوية لا تقف عند حدود التمثيل الإداري، بل تشمل قيادة البرامج الجهوية، وتتبع الميزانيات والمشاريع، وتقييم التدخلات العمومية، ومواكبة الاستثمارات، ورصد الظرفية الفلاحية والأسعار، وتنسيق عمل المؤسسات التابعة للوزارة. وبالتالي، فإن تقييم أي مدير جهوي يجب أن يستند إلى هذه المسؤوليات والنتائج المحققة على أرض الواقع، وليس إلى الحضور في المناسبات أو البيانات التواصلية وحدها.
المعرض الدولي للفلاحة بمكناس.. واجهة دولية وأسئلة حول الحكامة
ومن الملفات التي لا تحتمل التأجيل كذلك، ملف المعرض الدولي للفلاحة بمكناس، الذي أصبح موعداً وطنياً ودولياً بارزاً، ويستقطب سنوياً استثمارات وشركات ووفوداً رسمية ومهنيين وتعاونيات من مختلف مناطق المملكة وخارجها.
غير أن المكانة التي بلغها هذا الموعد لا ينبغي أن تحجب ضرورة إخضاع طريقة تدبيره للمراجعة والتقييم، خصوصاً أن الدورات الأخيرة أثارت انتقادات بشأن التنظيم والاستقبال والتواصل وتدبير الاعتمادات وولوج العارضين والصحافيين، فضلاً عن تساؤلات مرتبطة بشفافية توزيع بعض الامتيازات وتكافؤ الفرص بين المشاركين.
فالدورة الثامنة عشرة، التي نظمت خلال الفترة الممتدة من 20 إلى 28 أبريل 2026، استقبلت أكثر من مليون و136 ألف زائر، بمشاركة 1590 عارضاً و76 دولة و538 تعاونية. وهي أرقام تؤكد حجم التظاهرة ومكانتها، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً أساسياً: هل تقاس جودة المعرض بعدد الزوار والعارضين فقط، أم كذلك بجودة التنظيم، ومدى استفادة الفلاحين والتعاونيات الصغيرة، وشفافية التدبير، وقدرته على خلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المحلي والجهوي؟
وقد سبق أن نشرت منابر إعلامية ملاحظات وانتقادات بشأن اختلالات تنظيمية خلال دورة 2026، شملت الارتباك في اعتماد الصحافيين، وبعض جوانب الاستقبال والولوج، إضافة إلى تساؤلات حول الدعوات والتكريمات والصفقات. كما عادت هذه الانتقادات إلى الواجهة في بداية نونبر، مع طرح مسألة استمرار التدبير المؤقت للمعرض والحاجة إلى مراجعة حكامته.
وهذه المعطيات لا تعني أن كل ما أثير بشأن المعرض ثبتت مسؤوليته أو جرى تأكيده من خلال افتحاص رسمي، لكنها تجعل من الضروري فتح تقييم مؤسساتي شفاف، يحدد مكامن الخلل، ويكشف أوجه القصور إن وجدت، ويرتب المسؤوليات على أساس وثائق ومعطيات دقيقة.
كما أن تولي كمال هيدان مهمة المفوض العام للمعرض، إلى جانب مسؤوليته الجهوية في قطاع الفلاحة، يجعل من الضروري إخضاع هذا النموذج التدبيري نفسه للنقاش، والنظر في إمكانية إحداث إدارة مستقلة ومتخصصة للمعرض، تتفرغ للتنظيم والتسويق الدولي والتواصل مع العارضين والمهنيين، وتشتغل وفق أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة.
فالمعرض ليس ملكاً للأشخاص أو امتداداً للمسؤوليات الإدارية، بل تظاهرة وطنية تقام بمكناس وتستمد قوتها من صورة المغرب الفلاحي، ومن الضروري أن تكون حكامته في مستوى هذه المكانة.
المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية.. أولى المؤسسات التي تحتاج إلى تقييم
ولا يمكن الحديث عن تجديد تدبير القطاع دون التوقف عند المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، باعتباره مؤسسة محورية في مواكبة الفلاحين وتأطيرهم ونقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى الضيعات الفلاحية.
فالمكتب، الذي يتولى إدارته العامة هشام الرحالي، مطالب اليوم بإبراز حصيلة عمله الميداني، ومدى وصول خدمات الاستشارة إلى صغار الفلاحين، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية التي تواجه تحديات مرتبطة بالماء والمناخ وتكاليف الإنتاج والتسويق.
ومن حق الوزير الجديد أن يطلب تقييماً شاملاً لأداء هذه المؤسسة، من حيث عدد المستفيدين الحقيقيين من خدماتها، وجودة التأطير، ونجاعة برامج التكوين، ومدى مساهمة المستشارين الفلاحيين في حل المشاكل اليومية للمنتجين.
فلا يعقل أن تتوفر الوزارة على مؤسسة متخصصة في الاستشارة والتوجيه، بينما تستمر فئات من الفلاحين في مواجهة إكراهاتها دون مواكبة تقنية كافية أو معلومات واضحة بشأن البرامج والدعم والفرص المتاحة.
والأمر نفسه ينطبق على وكالة التنمية الفلاحية، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، والمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي، والمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، وغيرها من المؤسسات التي تؤدي أدواراً حاسمة في تنفيذ السياسة الفلاحية.
فالمطلوب ليس تغيير المسؤولين لمجرد التغيير، وإنما إخضاع المؤسسات لعملية افتحاص وتقييم، تشمل تدبير الموارد المالية والبشرية، ونتائج البرامج، ومدى تحقيق الأهداف المعلنة، وجودة الخدمات المقدمة للمنتجين والمستهلكين.
وفي هذا السياق، سبق للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل، في ملاحظاته المتعلقة بالاستراتيجيات الفلاحية والتكيف مع التغيرات المناخية، وجود نقائص في التنسيق والتكامل بين التوجهات المرتبطة بالمناخ والاستراتيجيات الفلاحية، فضلاً عن الحاجة إلى آليات دائمة لتتبع وتقييم آثار التغيرات المناخية على القطاع. وهي ملاحظات تبرز أن التحدي لا يتعلق فقط بتغيير الأشخاص، بل كذلك بتصحيح طرق التخطيط والتنفيذ والتقييم.
Cour des comptes+2
كومادير.. صوت المهنيين ومطلب إعادة بناء الثقة
ومن بين المؤسسات والهيئات التي يتعين على الوزير الجديد فتح قنوات التواصل معها، الكونفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية، المعروفة اختصاراً باسم كومادير، وهي الإطار المهني الذي يجمع التنظيمات البيمهنية الفلاحية، ويرأسها رشيد بنعلي.
وتكتسي هذه الهيئة أهمية خاصة بالنظر إلى دورها في تمثيل الفروع المهنية والترافع بشأن القضايا المشتركة للقطاع، والتنسيق حول الملفات المرتبطة بالاستثمار والتشغيل والتسويق والتنافسية.
غير أن من الضروري التمييز بين المؤسسات العمومية التابعة لوصاية الوزارة وبين كومادير باعتبارها هيئة مهنية تمثيلية مستقلة عن التعيينات الإدارية الحكومية. وبالتالي، فإن المطلوب ليس التدخل في استقلالية التنظيمات المهنية، وإنما إعادة بناء العلاقة بينها وبين الوزارة على أساس الشفافية والتعددية والتشاور الحقيقي، وضمان ألا تتحول قنوات الحوار إلى امتياز محصور في دائرة محدودة من الفاعلين.
كما أن الوزير مطالب بالاستماع إلى الجمعيات المهنية والتعاونيات والتنظيمات التي لا تحظى دائماً بالحضور نفسه في دوائر القرار، لأن القطاع الفلاحي لا تمثله فقط المجموعات الكبرى والفاعلون الاقتصاديون الكبار، بل كذلك آلاف الفلاحين الصغار والمتوسطين الذين يشكلون العمود الفقري للإنتاج الوطني.
هل حان وقت إنهاء هيمنة الحرس القديم؟
إن أحد أكبر التحديات التي تواجه خالد حاتيمي هو التعامل مع شبكة المسؤوليات الإدارية والمؤسساتية التي تشكلت خلال سنوات تدبير القطاع في عهد عزيز أخنوش، الذي تولى حقيبة الفلاحة لسنوات قبل أن يصبح رئيساً للحكومة.
فخلال تلك المرحلة، جرى تنزيل استراتيجية مخطط المغرب الأخضر، ثم إطلاق استراتيجية الجيل الأخضر 2020-2030، وتوسعت شبكة البرامج والمؤسسات والشراكات المرتبطة بالقطاع. غير أن استمرار عدد من المسؤولين في مواقعهم لسنوات طويلة يفرض اليوم سؤالاً مشروعاً حول مدى تجديد النخب الإدارية، وحول ما إذا كانت البنية التدبيرية الحالية قادرة على مواكبة مرحلة جديدة بأولويات مختلفة.
وفي الأوساط المهنية، يتردد توصيف الحرس القديم للإشارة إلى مجموعة من المسؤولين الذين ارتبطت مساراتهم الإدارية بمرحلة التدبير السابقة، وهو توصيف يستدعي التمييز بين الاستمرارية الإدارية المشروعة وبين تحول بعض المواقع إلى مراكز نفوذ يصعب تجديدها أو إخضاعها للمساءلة.
فليس كل مسؤول استمر في منصبه فاشلاً، كما أن تغيير المسؤولين لا ينبغي أن يكون حكماً مسبقاً على أدائهم أو اتهاماً لهم. لكن من غير المقبول أيضاً أن تتحول الاستمرارية إلى حصانة غير معلنة، أو أن يصبح تغيير المسؤولين أمراً مؤجلاً مهما كانت النتائج.
وإذا كانت الحكومة الجديدة تسعى إلى تغيير المسار، فإن تجديد النخب داخل الوزارة والمؤسسات التابعة لها ينبغي أن يكون جزءاً من هذا التحول، مع اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة والإنجاز، وفتح المجال أمام أطر جديدة تمتلك رؤية ميدانية وقدرة على الابتكار والتدبير.
الوزير مطالب بالنزول إلى الميدان ومراقبة المعارض الفلاحية
ومن بين الملفات التي تحتاج إلى اهتمام شخصي من الوزير، طريقة تنظيم المعارض والملتقيات الفلاحية التي تقام على مدار السنة بمختلف جهات المملكة.
فلا ينبغي أن يقتصر حضور المسؤولين المركزيين على المعرض الدولي بمكناس، أو على اللقاءات الرسمية التي تعرض خلالها الحصائل والمؤشرات، بينما تظل أسئلة العارضين والتعاونيات والمنتجين الصغار دون أجوبة واضحة.
إن المعارض الفلاحية يفترض أن تكون فضاءات لتسويق المنتجات المحلية، وفتح الأسواق أمام التعاونيات، وربط الفلاحين بالمستثمرين، وتبادل الخبرات، وليس مجرد مناسبات للاستعراض المؤسساتي والتقاط الصور وتوزيع الشواهد والتكريمات.
ولهذا، فإن حاتيمي مطالب بإحداث آلية مركزية لتتبع هذه التظاهرات، والوقوف على معايير اختيار العارضين، وتوزيع الفضاءات، ومنح الامتيازات، وتدبير الموارد المالية، ومدى استفادة المنتجين المحليين من فرص التسويق والاستثمار.
كما يتعين فتح تقييم مستقل للدورات الأخيرة للمعرض الدولي بمكناس، والاستماع إلى الصحافيين والعارضين والتعاونيات والمهنيين، ونشر خلاصات واضحة بشأن الملاحظات المسجلة والإجراءات التصحيحية المتخذة.
الرهان الحقيقي هو تغيير طريقة التدبير وليس تغيير الأسماء فقط
إن الوزارة الجديدة أمام فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، لكن ذلك يتطلب شجاعة مؤسساتية في مراجعة المسؤوليات، والقطع مع منطق احتكار القرار، وإعادة الاعتبار للكفاءات التي ظلت خارج مواقع المسؤولية، وتعزيز حضور الأطر الميدانية التي تعرف حقيقة المشاكل التي تواجه الفلاح المغربي.
كما أن نجاح الوزير الجديد لن يقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها أو البلاغات التي تصدرها الوزارة، وإنما بمدى قدرته على معالجة الملفات العالقة، وتحسين أوضاع الفلاحين، وتطوير منظومة الدعم، وضمان عدالة توزيع البرامج والاستثمارات بين الجهات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالفلاح في تاونات ليس أقل استحقاقاً للمواكبة من المستثمر الكبير، والتعاونية الصغيرة في صفرو تستحق فرصاً حقيقية للتسويق، والمنتج في بولمان وإفران يحتاج إلى إدارة تستمع إليه وتتحرك لمعالجة إكراهاته، كما أن فلاحي الحاجب ومكناس وفاس يحتاجون إلى سياسة فلاحية جهوية تضع مشاكلهم في صلب الأولويات.
والأهم أن جهة فاس–مكناس ينبغي أن تكون محطة أولى لهذا التقييم، بالنظر إلى وزنها الفلاحي والإنتاجي، وما تعرفه من تنوع في السلاسل الفلاحية، وما يترتب عن ذلك من مسؤوليات على المديرية الجهوية ومختلف المؤسسات التابعة للقطاع.
إن خالد حاتيمي لا يحتاج فقط إلى فريق جديد داخل ديوانه، بل إلى رؤية جديدة في تدبير الوزارة، تبدأ بتقييم شامل للمديريات الجهوية، وفتح ملف المؤسسات العمومية، ومراجعة حكامة المعرض الدولي للفلاحة، وتعزيز استقلالية القرار المهني، وإرساء آليات حقيقية للمحاسبة.
أما استمرار الوجوه نفسها في المواقع نفسها، وبالأساليب نفسها، مع الاكتفاء بتغيير الخطاب الرسمي، فلن يكون كافياً لإقناع المهنيين بأن مرحلة جديدة قد بدأت بالفعل.
لقد حان الوقت لكي ينتقل القطاع الفلاحي من مرحلة تدبير الملفات عبر شبكات المسؤوليات التقليدية إلى مرحلة تجديد النخب والكفاءات، وتحرير القرار الإداري من منطق الامتياز والاستمرارية غير المشروطة، وإعادة الاعتبار للفلاح باعتباره أساس السيادة الغذائية.
فالتغيير الحقيقي الذي ينتظره الفلاحون لا يبدأ بتغيير الوزير وحده، وإنما يبدأ عندما تتغير طريقة اشتغال الوزارة، ويصبح كل مسؤول مطالباً بتقديم حصيلته، وتبرير قراراته، وتحمل مسؤولية النتائج.






