توجه نحو حركة انتقالية مرتقبة لرجال السلطة.. لفتيت أمام رهان تجديد النخب الترابية وتعزيز الحكامة استعداداً للاستحقاقات المقبلة

يتجه تدبير الإدارة الترابية نحو مرحلة جديدة تفرضها التحولات السياسية والمؤسساتية التي أعقبت الانتخابات التشريعية، وما تستدعيه المرحلة المقبلة من استعداد مبكر للاستحقاقات الجماعية والمهنية، وهو ما يعيد إلى الواجهة أهمية حركة انتقالية مرتقبة في صفوف رجال السلطة، باعتبارها مدخلاً لتجديد المسؤوليات الترابية وإعادة توزيع الكفاءات وفق معايير النجاعة والخبرة والاستحقاق.
ويبرز في هذا السياق دور وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، الذي يجد نفسه أمام رهان مواكبة المرحلة المقبلة برؤية إدارية تقوم على تجديد النخب الترابية، وتقييم حصيلة المسؤولين بمختلف درجاتهم، وضخ دماء جديدة في عدد من المواقع التي تحتاج إلى دينامية مختلفة، مع تثمين التجارب المهنية الناجحة والكفاءات التي أثبتت قدرتها على التدبير الميداني.
وتكتسي الحركة الانتقالية المرتقبة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة أمام الإدارة الترابية، والتي تتجاوز التدبير الإداري اليومي إلى مواكبة الأوراش التنموية، وتتبع المشاريع الاستثمارية، ومحاربة الاختلالات العمرانية، وتحرير الملك العمومي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن الاستعداد للاستحقاقات الجماعية والمهنية المقبلة بما يضمن الحياد والشفافية وتكافؤ الفرص.
ومن بين المرتكزات التي ينبغي أن تحضر في أي تصور جديد للحركة الانتقالية، اعتماد قاعدة واضحة تقضي بألا تتجاوز مدة بقاء رجل السلطة في المنصب الترابي نفسه أربع سنوات، بما يحقق التوازن بين الاستقرار الإداري والتجديد المؤسساتي. فاستمرار المسؤول في الموقع نفسه لسنوات طويلة قد يؤدي إلى نوع من الجمود في أساليب التدبير، بينما يتيح الانتقال المدروس تجديد المقاربات وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب المتراكمة في مختلف العمالات والأقاليم.
ولا يتعلق الأمر بالتنقيل من أجل التنقيل، وإنما بإرساء تصور مؤسساتي يجعل من أربع سنوات سقفاً عادلاً لشغل المنصب نفسه، مع مراعاة الحالات الاستثنائية المبررة، وضمان انتقال سلس يحافظ على استمرارية المشاريع والمرافق العمومية.
كما أن الحركة الانتقالية المرتقبة ينبغي أن تستند إلى تقييم موضوعي لحصيلة رجال السلطة، بعيداً عن الاعتبارات المرتبطة بالأقدمية وحدها، مع إعطاء الأولوية للكفاءة المهنية والخبرة الميدانية والقدرة على حل الإشكالات المحلية والتفاعل مع انتظارات المواطنين.
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مسؤولين يمتلكون القدرة على اتخاذ المبادرة، والتنسيق بين مختلف المصالح، ومواكبة المشاريع التنموية، والتعامل مع الملفات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة، فضلاً عن ضمان التطبيق السليم للقانون. كما تقتضي تثمين الأطر التي أبانت عن مردودية عالية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة لتحمل مسؤوليات جديدة.
ويظل ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد أهم المداخل التي ينبغي أن تؤطر هذا الورش، من خلال تقييم النتائج المحققة على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بالتقارير الإدارية والاجتماعات الرسمية. فالمسؤول الترابي مطالب بتحقيق أثر ملموس في مجال نفوذه، سواء تعلق الأمر بتسريع معالجة الملفات، أو تحسين علاقة الإدارة بالمواطن، أو تتبع المشاريع المتعثرة، أو التصدي لمظاهر الفوضى والتجاوزات.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع اقتراب الاستحقاقات الجماعية والمهنية المقبلة، التي ستضع الإدارة الترابية أمام مسؤوليات تنظيمية وإدارية دقيقة، تتطلب مسؤولين يتمتعون بالخبرة والحياد والقدرة على تدبير مختلف المراحل، بعيداً عن أي تأثيرات أو حسابات سياسية.
إن التوجه نحو حركة انتقالية مرتقبة لا ينبغي اختزاله في تغيير المواقع والأسماء، بل يتعين أن يشكل مناسبة لإعادة تقييم الأداء وتجديد المسؤوليات وإرساء ثقافة التدبير بالنتائج. فالرهان أمام وزارة الداخلية، بقيادة عبد الوافي لفتيت، يتمثل في بناء إدارة ترابية أكثر نجاعة ومهنية، قادرة على مواكبة التحولات المقبلة، وجعل الكفاءة والخبرة والاستحقاق وربط المسؤولية بالمحاسبة محددات أساسية في إسناد المسؤوليات وتدبير الشأن الترابي.






