من الخصومة الانتخابية إلى منطق التوافق.. المشاورات الحكومية تفتح صفحة سياسية جديدة بالمغرب

دخل المشهد السياسي المغربي، منذ 30 شتنبر 2026، مرحلة جديدة مع انطلاق المشاورات الرامية إلى تشكيل الحكومة المقبلة، في سياق أعاد ترتيب موازين القوى التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، وفتح في الوقت نفسه الباب أمام انتقال الأحزاب من أجواء التنافس الانتخابي الحاد إلى البحث عن أرضية مشتركة لتدبير المرحلة المقبلة.
وتكتسي هذه المشاورات أهمية خاصة بالنظر إلى أن أبرز الأحزاب التي كانت خلال الحملة الانتخابية في مواقع متباينة من حيث الخطاب والتنافس، أصبحت اليوم مطالبة بالتعامل مع نتائج الاقتراع بمنطق المؤسسات والتحالفات والبرامج. وقد شكل اللقاء الأول بين الحزب المتصدر للانتخابات وحزب التجمع الوطني للأحرار إحدى أبرز محطات بداية هذه المشاورات، في مؤشر على أن مرحلة ما بعد الانتخابات تفرض قواعد سياسية مختلفة عن تلك التي تحكم الحملات الانتخابية.
ولا يعني الانتقال من المنافسة إلى التشاور بالضرورة محو الخلافات التي طبعت الحملة الانتخابية، بقدر ما يعكس طبيعة العمل السياسي داخل المؤسسات، حيث تتحول الأولوية بعد إعلان النتائج من استقطاب الناخبين إلى البحث عن صيغ قادرة على ضمان الانسجام الحكومي وتنفيذ البرامج والالتزامات التي حملتها الأحزاب إلى الاستحقاق الانتخابي.
وتكشف التجربة السياسية المغربية، في هذا السياق، أن الخصومة الانتخابية لا تشكل دائما حكما نهائيا على العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين الأحزاب بعد الاقتراع، إذ إن التحالفات الحكومية تُبنى في نهاية المطاف على النتائج المحصل عليها، والتقارب في البرامج، والقدرة على الاتفاق حول الأولويات الوطنية، فضلا عن الحسابات المرتبطة بالاستقرار والفعالية المؤسساتية.
المشاورات.. انتقال من الخطاب الانتخابي إلى منطق المسؤولية
المؤشر الأبرز في المرحلة الحالية يتمثل في اللغة التي رافقت انطلاق المشاورات، والتي اتجهت نحو التأكيد على الحوار والمسؤولية والمصلحة الوطنية. فقد وصفت تصريحات صادرة عقب اللقاء الأول بين الحزب المتصدر وحزب التجمع الوطني للأحرار المشاورات بأنها جرت في أجواء إيجابية وبنقاش واضح وصريح، مع تركيز على التحديات التي تواجه البلاد خلال المرحلة المقبلة.
ويعكس ذلك تحولا طبيعيا في الخطاب السياسي، لأن الحزب خلال الحملة الانتخابية يخاطب الناخبين ويعرض حصيلته وبرنامجه وبدائله، بينما يجد نفسه بعد إعلان النتائج أمام مسؤولية البحث عن شراكات تمكنه من تحويل التوجهات العامة إلى سياسات عمومية وبرامج حكومية قابلة للتنفيذ.
ومن هذه الزاوية، فإن انتقال الأحزاب من التنافس إلى الحوار يمكن قراءته باعتباره جزءا من دورة الحياة الديمقراطية، خصوصا عندما تفرض نتائج الانتخابات بناء أغلبية قادرة على الاشتغال داخل البرلمان والحكومة في آن واحد.
التقارب البرنامجي يظل عاملا حاسما
بعيدا عن التراشق الذي شهدته الحملات الانتخابية، يبقى العامل الأكثر تأثيرا في أي تحالف حكومي هو مدى إمكانية الاتفاق حول برنامج مشترك وأولويات واضحة. وهذا ما يجعل المشاورات الحالية اختبارا عمليا لقدرة الأحزاب على تجاوز الحسابات الانتخابية والانتقال إلى التفاوض حول ملفات الاقتصاد والاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة والتنمية الترابية، إضافة إلى الأوراش الكبرى المرتبطة باستعدادات المغرب للاستحقاقات الدولية المقبلة.
وقد أكد حزب الأصالة والمعاصرة، في سياق انطلاق المشاورات، أن الحوار يهدف إلى بناء أغلبية حكومية منسجمة وقوية، مع التأكيد على أهمية الانخراط الوطني المسؤول من مختلف المواقع، سواء داخل الأغلبية أو المعارضة.
وهذا المعطى يجعل المرحلة الحالية مختلفة عن مرحلة الحملة الانتخابية، لأن معيار النجاح في الحكومة المقبلة لن يرتبط فقط بالتركيبة الحزبية، وإنما بقدرتها على إنتاج برنامج واضح، وتحديد المسؤوليات، وربط السياسات العمومية بالأهداف والنتائج المنتظرة.
الأحرار والبام.. اختبار لقدرة السياسة على إنتاج التوافق
يحظى التقارب بين الحزب المتصدر وحزب التجمع الوطني للأحرار باهتمام سياسي وإعلامي، بالنظر إلى أن الحزبين كانا جزءا من الأغلبية السابقة، قبل أن تضعهما الانتخابات الأخيرة في موقع جديد داخل الخريطة السياسية. وقد شكل اللقاء بينهما في بداية المشاورات إحدى أولى الإشارات العملية إلى أن نتائج الانتخابات فتحت مرحلة جديدة عنوانها البحث عن التوافقات الممكنة.
ولا يمكن اعتبار هذا اللقاء وحده إعلانا نهائيا عن تركيبة الحكومة المقبلة، لأن تشكيل الأغلبية يظل رهينا بمسار المشاورات والاتفاق على البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات، غير أن اختيار افتتاح المشاورات بهذا اللقاء يعكس أهمية العلاقة السياسية بين الطرفين داخل الخريطة البرلمانية الجديدة.
كما أن حضور حزب الاستقلال في المشاورات، ثم استقبال وفد الحركة الشعبية في اليوم نفسه، يؤكد أن المشهد لا يتحرك في اتجاه ثنائي مغلق، وإنما أمام عملية تفاوضية أوسع ستحدد في نهايتها طبيعة الأغلبية الحكومية وتركيبتها.
ما بعد الانتخابات.. فرصة لإعادة بناء الثقة
من أهم الملفات التي تفرض نفسها على الأحزاب في المرحلة المقبلة مسألة الثقة السياسية. فالحملة الانتخابية ترفع عادة سقف التنافس والخطاب النقدي، لكن المواطن ينتظر بعد انتهاء الاقتراع انتقالا واضحا إلى العمل المؤسساتي وتحقيق النتائج.
ومن ثم، فإن المشاورات الحكومية يمكن أن تشكل مناسبة لإعادة تعريف العلاقة بين الأحزاب والناخبين على أساس البرامج والالتزامات والحصيلة، خصوصا أن الحكومة المقبلة ستدخل مرحلة سياسية واقتصادية تتطلب قرارات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار والقدرة الشرائية والخدمات العمومية، بالتوازي مع الأوراش الكبرى التي تستعد لها المملكة خلال السنوات المقبلة.
وتكمن أهمية المرحلة أيضا في أن التحالف الحكومي، أيا كانت تركيبته النهائية، سيكون مطالبا بتقديم منطق سياسي واضح للرأي العام: ما هي الأولويات؟ ما هي الالتزامات التي ستتحول إلى سياسات عمومية؟ وكيف سيتم قياس النتائج؟ وما هي الآليات التي ستضمن التنسيق بين مكونات الأغلبية؟
حكومة جديدة.. وأولويات تتجاوز الحسابات الحزبية
بعد انتخابات 23 شتنبر وتكليف رئيسة الحكومة الجديدة بتشكيل الأغلبية، أصبح المشهد السياسي أمام انتقال مؤسساتي واضح من مرحلة التنافس إلى مرحلة التدبير. وقد بدأت المشاورات فعليا بلقاءات مع عدد من الأحزاب، في انتظار استكمال النقاشات حول شكل الأغلبية والبرنامج الحكومي.
وبذلك، فإن المرحلة المقبلة ستضع الأحزاب أمام امتحان مختلف عن الانتخابات: امتحان القدرة على التفاوض والتوافق وتحويل الوعود الانتخابية إلى برامج قابلة للإنجاز.
وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول الخصومة الانتخابية التي طبعت الأسابيع الماضية إلى صفحة من الماضي السياسي، إذا استطاعت المكونات الحزبية بناء توافقات واضحة حول الأولويات الوطنية. فالديمقراطية لا تتوقف عند لحظة إعلان النتائج، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بكيفية تحويل الإرادة الانتخابية إلى مؤسسات فعالة وبرامج عمومية وقرارات تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
وعليه، فإن مشاورات تشكيل الحكومة الحالية لا تمثل فقط مفاوضات حول الحقائب والمواقع، وإنما تشكل أيضا اختبارا لقدرة الطبقة السياسية على الانتقال من منطق المنافسة إلى منطق الشراكة، ومن خطاب الحملة إلى مسؤولية التدبير، بما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على إمكانية بناء أغلبية تضع البرنامج والانسجام والنتائج في صدارة أولوياتها.






