سياسة

زلزال سياسي داخل الاتحاد الاشتراكي بفاس.. اتحاديون يطالبون برحيل لشكر ومؤتمر استثنائي والقيادة تتمسك بالمفاوضات الحكومية

دخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مرحلة جديدة من النقاش الداخلي بعد النتائج التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر، بعدما خرج مناضلون ومناضلات اتحاديون بمدينة فاس ببيان ينتقدون فيه بشدة طريقة تدبير المرحلة السابقة، ويحملون القيادة الحالية، وعلى رأسها الكاتب الأول إدريس لشكر، مسؤولية ما اعتبروه تراجعاً انتخابياً وتنظيمياً، مطالبين بعقد مؤتمر وطني استثنائي وتجديد قيادة الحزب، في مقابل استمرار القيادة المركزية في فتح قنوات التفاوض بشأن المشاركة في الحكومة المقبلة.

ويأتي التحرك الفاسي في ظرف سياسي حساس بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي، الذي حصل في الانتخابات التشريعية الأخيرة على 26 مقعداً، مقابل 34 مقعداً في انتخابات 2021، وهو التراجع الذي أقر به إدريس لشكر نفسه مباشرة بعد إعلان النتائج، عندما أكد أن الحصيلة الانتخابية تشكل تراجعاً مقارنة بالاستحقاق السابق، معلناً أن قيادة الحزب ستعمل على تقييم النتائج داخل المؤسسات الحزبية.

فاس تفتح جبهة النقاش الداخلي

وبحسب البيان الذي نشرته منابر إعلامية، فإن مناضلين اتحاديين بفاس عقدوا اجتماعاً في فاتح أكتوبر لتقييم نتائج اقتراع 23 شتنبر وانعكاساتها على مستقبل الحزب، قبل أن يخرجوا بموقف ينتقد طريقة التدبير السياسي والتنظيمي خلال المرحلة الماضية.

ووجه أصحاب البيان انتقادات مباشرة إلى القيادة الحالية، معتبرين أن الولاية الرابعة لإدريس لشكر تمت، بحسب تقديرهم، بطريقة غير ديمقراطية، وأن أسلوب تدبير الحزب خلال التحضير للاستحقاقات الانتخابية اتسم، وفق روايتهم، بالانفراد في اتخاذ عدد من القرارات، بما في ذلك تدبير الترشيحات والتزكيات.

كما انتقد الموقعون ما وصفوه باستقطاب وجوه جديدة لا تربطها، بحسب تعبيرهم، صلات تنظيمية قوية بالحزب، وأثاروا بشكل خاص طريقة تدبير اللوائح الجهوية للنساء، معتبرين أن هذه الممارسات انعكست على صورة الحزب وعلى حضوره الانتخابي. وهذه تبقى مواقف صادرة عن أصحاب البيان وليست وقائع حسمتها جهة مستقلة.

26 مقعداً تعيد سؤال القيادة إلى الواجهة

ويكتسب هذا التصعيد أهمية أكبر بالنظر إلى الأرقام الانتخابية التي أفرزها اقتراع 23 شتنبر، إذ انتقل تمثيل الاتحاد الاشتراكي من 34 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 26 مقعداً في الاستحقاق الأخير، أي بفارق ثمانية مقاعد.

وكان إدريس لشكر قد أقر، في أول تعليق له عقب ظهور النتائج، بوجود تراجع في حصيلة الحزب، لكنه أكد أن التعامل مع النتائج سيتم داخل المؤسسات الحزبية، في انتظار اجتماع القيادة لتقييم الحصيلة واستشراف المرحلة المقبلة.

غير أن أصحاب المبادرة القادمة من فاس ذهبوا أبعد من مجرد المطالبة بتقييم انتخابي، إذ طالبوا بعقد مؤتمر وطني استثنائي بشكل مستعجل، وفتح المجال أمام كفاءات وطاقات اتحادية غادرت الحزب أو ابتعدت عنه لأسباب سياسية وتنظيمية، معتبرين أن المرحلة تتطلب إعادة بناء التنظيم وتجديد القيادة.

كما دعوا القيادة الحالية، بحسب ما أوردته المصادر التي اطلعت على البيان، إلى تحمل مسؤوليتها وتقديم نقد ذاتي واعتذار عن المرحلة السابقة.

الخلاف لا يتعلق فقط بالنتائج

اللافت في التحرك الفاسي أنه لا يحصر أسباب التراجع في أداء الحملات الانتخابية أو في ظروف الاقتراع، بل يربط النتيجة بمسار سياسي وتنظيمي كامل.

فأصحاب البيان تحدثوا عن ما وصفوه بـ«ضبابية الخط السياسي» للحزب خلال الولاية التشريعية المنتهية، وانتقدوا عدم انخراطه، بحسب تقييمهم، في عدد من المبادرات التشريعية والاجتماعية، معتبرين أن ذلك أضعف حضوره لدى الناخبين.

كما اعتبروا أن الناخبين وجهوا، من خلال النتائج، رسالة ينبغي على الحزب قراءتها سياسياً وتنظيمياً، وربطوا ذلك بمطلب تموقع الاتحاد الاشتراكي في المعارضة، بدلاً من البحث عن المشاركة في الحكومة.

وهنا تحديداً يظهر أحد أبرز أوجه الخلاف داخل الحزب في المرحلة الحالية: هل تكون الأولوية لإعادة ترتيب البيت الداخلي والتموقع في المعارضة، أم الانخراط في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة؟

القيادة المركزية تختار طريقاً مختلفاً

في المقابل، لا تعكس مخرجات المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي الصادرة عقب اجتماعه في 30 شتنبر الاتجاه نفسه الذي عبر عنه تيار فاس.

فالبلاغ الرسمي للحزب أكد أن التقييم الجدي والعميق لنتائج الانتخابات يجب أن يكون مسؤولية جماعية للأجهزة الحزبية في الأقاليم والجهات ثم الأجهزة الوطنية، بما يسمح باستخلاص الدروس الضرورية للاستحقاقات المقبلة.

وبذلك وضعت القيادة المركزية المسؤولية في إطار مؤسساتي جماعي، بدلاً من اختزالها في شخص الكاتب الأول.

كما دعا الحزب إلى توثيق ما اعتبرها اختلالات شهدتها الحملة الانتخابية والاقتراع، وتفعيل المساطر القانونية بشأن الوقائع التي يثبتها البحث، وربط ذلك بضرورة تعزيز شفافية التمويل والرقابة والمساءلة وتكافؤ الفرص.

باب الحكومة لم يغلق

في الوقت الذي يطالب فيه اتحاديون بفاس بالتموقع في المعارضة، اختار المكتب السياسي إبقاء خيار المشاركة في الحكومة مفتوحاً.

وأكد البلاغ الرسمي أن الاتحاد الاشتراكي لا يعتبر الحكومة غاية في حد ذاتها، سواء كان جزءاً منها أو في المعارضة، لكنه اشترط أن تقوم أي مشاركة على برنامج حكومي واضح وتحالف يستند إلى مرجعيات سياسية وفكرية مشتركة.

وفي هذا السياق، فوض المكتب السياسي إدريس لشكر ورئيس المجلس الوطني مصطفى عجاب مواصلة المفاوضات مع رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري، مع إبقاء المكتب السياسي في حالة اجتماع مفتوح لمواكبة تطورات المشاورات.

وتؤكد هذه الخطوة أن القيادة المركزية لم تتبن، إلى حدود البلاغ الرسمي، خيار الانسحاب إلى المعارضة الذي يطالب به أصحاب البيان الفاسي، بل اختارت مواصلة الحوار السياسي إلى حين اتضاح شروط المشاركة ومضامين البرنامج الحكومي.

مفارقة سياسية داخل «الوردة»

وهكذا يجد الاتحاد الاشتراكي نفسه أمام مفارقة داخلية واضحة: تيار من مناضليه بفاس يربط قراءة نتائج الانتخابات بضرورة تغيير القيادة وتجديد التنظيم والابتعاد عن المشاركة الحكومية، بينما القيادة المركزية تتحدث عن تقييم جماعي للنتائج وتواصل في الوقت نفسه مفاوضاتها مع رئيسة الحكومة المكلفة.

وتزداد أهمية هذا النقاش لأن الحزب لا يواجه فقط سؤال عدد المقاعد التي حصل عليها، وإنما سؤال موقعه السياسي والتنظيمي خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً بعدما تغيرت الخريطة البرلمانية، وأصبح ترتيب القوى المعارضة مختلفاً عن الولاية السابقة.

فالحصيلة الجديدة لا تعني فقط خسارة ثمانية مقاعد مقارنة بـ2021، وإنما تفرض على الحزب، من الناحية التنظيمية والسياسية، قراءة أسباب تغير حضوره الانتخابي، ومدى ارتباط ذلك بالترشيحات، والخطاب السياسي، والتنظيم المحلي، وعلاقته بالناخبين، وطريقة إدارة الحملات الانتخابية.

فاس تتحول إلى أول بؤرة للاحتجاج الداخلي

وتكتسي مبادرة اتحاديي فاس أهمية خاصة لأنها تأتي من مدينة ارتبط اسمها تاريخياً بالحضور الاتحادي، كما أنها تأتي مباشرة بعد الاستحقاق الانتخابي وقبل أن تغلق المؤسسات الحزبية نقاش تقييم النتائج.

ووفق ما نشرته المصادر التي تناولت البيان، فإن أصحاب المبادرة لا يريدون أن يبقى النقاش محصوراً في مدينة فاس، بل يسعون إلى توسيع دائرة المبادرة عبر جمع توقيعات وتحويل الموقف المحلي إلى نقاش على المستوى الوطني.

وإذا اتسع هذا التحرك خلال الأيام المقبلة، فإن النقاش داخل الاتحاد الاشتراكي قد ينتقل من مجرد تقييم نتائج انتخابات 23 شتنبر إلى نقاش أعمق حول القيادة والشرعية التنظيمية والمؤتمر المقبل وموقع الحزب داخل الخريطة السياسية الجديدة.

لكن في المقابل، لا توجد في المعطيات المنشورة حتى الآن مؤشرات رسمية على أن القيادة المركزية قررت عقد مؤتمر استثنائي أو أن مطلب الرحيل أصبح قراراً مؤسساتياً داخل الحزب؛ الموجود هو بيان صادر عن مناضلين اتحاديين بفاس ومطالب واضحة موجهة إلى القيادة، مقابل بلاغ رسمي للمكتب السياسي يحدد مقاربة مختلفة لتقييم النتائج ومواصلة المشاورات الحكومية.

المعركة المقبلة.. داخل الحزب قبل البرلمان

وبذلك يبدو أن انتخابات 23 شتنبر لم تنته بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي بإعلان النتائج، بل فتحت مرحلة جديدة من النقاش الداخلي قد تكون أكثر حساسية من المعركة الانتخابية نفسها.

فالقيادة مطالبة بتقييم الحصيلة التي أقرت رسمياً بأنها متراجعة، والتي انتقل فيها الحزب من 34 إلى 26 مقعداً، بينما يطالب تيار اتحادي بفاس بتحويل هذا التراجع إلى محطة لإعادة بناء التنظيم وتجديد القيادة.

وفي الجهة المقابلة، تتمسك القيادة المركزية بمسار مؤسساتي يقوم على التقييم الجماعي، وتواصل مفاوضاتها بشأن الحكومة الجديدة، مشترطة برنامجاً وتحالفاً بمرجعيات سياسية وفكرية مشتركة.

وبين المسارين، يبقى السؤال المطروح داخل «الوردة» هو كيفية ترجمة نتيجة 23 شتنبر إلى قرار سياسي وتنظيمي: هل تكون محطة لإعادة ترتيب البيت الداخلي من خلال مؤتمر استثنائي، أم مناسبة لتقييم جماعي مع استمرار القيادة الحالية في تدبير المرحلة، بالتوازي مع حسم موقع الحزب في الحكومة أو المعارضة؟

المؤكد إلى الآن أن فاس كانت أول مدينة يخرج منها هذا النوع من الاعتراض العلني على القيادة بعد انتخابات 23 شتنبر، وأن النقاش لم يعد مقتصراً على حجم الحصيلة الانتخابية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمستقبل القيادة وخيار المشاركة الحكومية، وهي ملفات ستحدد ملامح المرحلة المقبلة داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى