هل سينجح ايت طالب والي فاس-مكناس الجديد لإطلاق “ورش الأمل”؟: من حافة مولاي إدريس يبدأ القطع مع إرث البؤس والركود

لم تكن زيارة الوالي الجديد لجهة فاس-مكناس وعامل عمالة فاس، خالد أيت طالب، إلى حافة مولاي إدريس مجرد جولة تفقدية روتينية، بل كانت بمثابة إعلان غير مباشر عن نهاية عهد التردد وبداية “ورش العمل الميداني” الذي تطمح إليه العاصمة العلمية. هذه المنطقة، التي تتوسط أحزمة البؤس والفقر وتجسد بجلاء أزمة التدهور البيئي والعمراني، كانت بمثابة “نقطة سوداء” ظلت لسنوات طويلة مثار جدل واسع في الأوساط الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، ووريثة لإرث ثقيل من المشاكل المتراكمة.
1. حافة مولاي إدريس: “مرآة” أزمة التنمية الحضرية المتراكمة
تعكس صورة حافة مولاي إدريس واقعاً مريراً يختزل سنوات من الاختلالات التنموية وسوء الحكامة في فاس:
-
كارثة بيئية مزدوجة: تحولت الحافة إلى مطرح عشوائي للنفايات تستغله الساكنة المجاورة، مما يهدد الصحة العامة وجمالية المدينة. يضاف إلى ذلك الفوضى العمرانية للأحياء المحيطة التي بنيت معظم عماراتها بشكل عشوائي، وبعضها مهدد بالانهيار.
-
سوق القصدير: قنبلة موقوتة: وجود سوق مبني من القصدير والخشب والمتلاشيات يجعله بيئة خصبة للحوادث المتكررة والمهولة، خصوصاً الحرائق التي تلتهم محلات النجارة وتخلف خسائر فادحة للتجار. التجار أنفسهم يشكون من انعدام التقنين ومن مشكلة التوصيلات الكهربائية العشوائية التي تتسبب في التماس وتكرر هذه الكوارث.
-
ملكية الأراضي ونزاعات الورثة: تعقد المشهد بوجود نزاعات على ملكية الأرض التي أقيم عليها السوق، حيث يشير تقارير إلى أن الأرض تعود لورثة يطالبون بحقوقهم، مما يضع السلطات المحلية في مأزق قانوني يزيد من تعقيد حل المشكل.
2. الوالي الجديد: تجربة قيادية ثقيلة لرسم المسار الصحيح
تأتي زيارة الوالي أيت طالب برؤية جديدة مدعومة بمسار مهني حافل يجعله رجل المرحلة القادرة على الإنجاز:
-
خبرة الأزمات والإدارة الكبرى: الوالي هو خريج كلية الطب، وشغل منصب مدير المركز الاستشفائي الجامعي بفاس (2009)، ورئيس تحالف المراكز الاستشفائية الجامعية بالمغرب (2016). والأهم هو توليه لمهام وزير الصحة ثم وزير الصحة والحماية الاجتماعية و نجح في كبح جماح فاشية جائحة كورونا بفظل إلتزامه بالتوجيهات الملكية اسلامية. هذه التجارب تمنحه قدرة استثنائية على إدارة الملفات الكبرى في ظروف الأزمات والتعامل مع الإكراهات الاجتماعية المعقدة ببراغماتية ونجاعة.
-
تنزيل الرؤية الملكية: تم تعيينه في إطار حركة الولاة والعمال الجديدة التي جاءت استجابة للتوجيهات الملكية بـ تسريع مسيرة المغرب الصاعد وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية. هذا التكليف يضع على عاتقه مسؤولية تحويل هذه الرؤى الاستراتيجية إلى مشاريع ملموسة.
هذه التجارب تؤكد أن الوالي لم يأتِ “للكلام” بل “للإشتغال”، ولديه الأدوات المعرفية والقيادية اللازمة لشق طريق الإصلاح.
3. رؤية أيت طالب: خطة إنقاذ متعددة الأبعاد
خلصت جولة الوالي تقل مصادر متطابقة، إلى ضرورة التحرك العاجل ووضع رؤية واضحة لإنقاذ المنطقة تقوم على محاور متعددة تندرج ضمن برامج التنمية المندمجة الجديدة التي بدأ لقاءاتها التشاورية:
-
المحور الاقتصادي-الاجتماعي (التجار): البحث عن تمويلات مستعجلة (سواء من الميزانيات الجهوية، أو صندوق التنمية القروية، أو الشراكات) لتشييد متاجر عصرية بديلة عن أكشاك القصدير. هذا يمثل حلاً اجتماعياً واقتصادياً يضمن استمرارية عيش التجار البسطاء في ظروف آمنة ومهيكلة.
-
المحور البيئي-العمراني (الساكنة): تأهيل المنطقة وتحويلها من مكب نفايات إلى فضاء أخضر أو تشييد ملاعب. هذا الإجراء يتكامل مع مشاريع التأهيل الحضري الأخرى في المدينة، حيث تم في وقت سابق إطلاق الشطر الثاني من مشروع تأهيل أحياء المدينة ذات التجهيزات المحدودة بتكلفة إجمالية تصل إلى 500 مليون درهم.
-
المحور الإجرائي (الحكامة): التشديد على أن فاس تحتاج إلى الكثير من العمل والقليل من الكلام، مع التأكيد على ضرورة التعاون بين مختلف المصالح والمؤسسات، والقطع مع النقد الهدام والإتكالية، والبدء في وضع برامج تنموية من الجيل الجديد.
4. النداء الأخير: من “الركود” إلى “النتائج والنجاعة”
إن الوالي الجديد ورث إرثاً ثقيلاً يضم ملفات أخرى شائكة، كفاجعة انهيار العمارتين في حي المسيرة بمقاطعة زواغة، ما يؤكد أن مشاكل فاس متجذرة في البناء العشوائي والبنيات التحتية الهشة.
الرهان اليوم، كما شدد وزير الداخلية، هو ضرورة التحول العميق في العقليات وأساليب العمل، عبر ترسيخ ثقافة النتائج والنجاعة بدل الاكتفاء بالإجراءات الشكلية. تضافر الجهود والابتعاد عن التجاذبات السياسية هو المفتاح الوحيد لفك أحزمة الفقر والبؤس وإنقاذ العاصمة العلمية.






