ملف الأحد: الأحزاب السياسية في المغرب… هل انتهى دور الوساطة؟ انتخابات 2026 محطة مفصلية تعري أعطاب المشهد الحزبي

ملف الأحد: عبدالله مشواحي الريفي
زمن الأسئلة الصعبة
في لحظة سياسية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع انتظارات مجتمع يتغير بسرعة، يعود السؤال القديم الجديد ليطرح نفسه بإلحاح: ما الذي تبقى من دور الأحزاب السياسية في المغرب؟ وهل ما تزال قادرة على لعب وظيفة الوساطة بين الدولة والمجتمع، أم أنها فقدت هذا الدور لصالح فاعلين جدد ووقائع متحولة؟
هذا السؤال لم يعد مجرد نقاش نخبوي، بل أصبح معطى يومياً يترجم في الشارع، وفي نسب المشاركة، وفي خطاب المواطنين الذين باتوا ينظرون إلى العمل الحزبي بكثير من الريبة، إن لم نقل اللامبالاة.
الأحزاب بين الشرعية الدستورية وفقدان الفعالية
من حيث المبدأ، تظل الأحزاب السياسية إحدى الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي. فهي، وفق الدستور، مؤسسات للتأطير والتعبئة، ووسيط بين الدولة والمجتمع، وقناة لإفراز النخب.
غير أن هذا الدور النظري يصطدم في الواقع المغربي بتحديات عميقة، جعلت من الأحزاب، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، مجرد هياكل تنظيمية موسمية، لا تظهر إلا عند اقتراب الاستحقاقات، وتختفي بعدها تاركة فراغاً سياسياً خطيراً.
ضعف التأطير… حين تغيب المدرسة السياسية
أحد أبرز مظاهر أزمة الأحزاب يتمثل في تراجع دورها التأطيري، خصوصاً في صفوف الشباب. فبعدما كانت مقرات الأحزاب فضاءات للنقاش والتكوين وصناعة النخب، تحولت في كثير من الحالات إلى مقرات صامتة، لا حياة فيها إلا خلال الحملات الانتخابية.
هذا الفراغ فتح الباب أمام بدائل غير مؤطرة، حيث أصبح الشباب يلجأ إلى الفضاء الرقمي للتعبير عن مواقفه، في غياب تأطير سياسي حقيقي. وهنا تطرح إشكالية خطيرة: كيف يمكن بناء وعي سياسي جماعي دون أحزاب قوية ومؤثرة؟
غياب الثقة… أزمة تتعمق
الثقة، التي تشكل أساس أي علاقة سياسية سليمة، تبدو اليوم في أدنى مستوياتها بين المواطن والأحزاب. فالعزوف الانتخابي لم يعد استثناء، بل أصبح القاعدة.
هذا العزوف لا يمكن تفسيره فقط باللامبالاة، بل هو تعبير صامت عن فقدان الثقة في جدوى العملية السياسية برمتها، وفي قدرة الأحزاب على التغيير أو حتى التأثير.
صعود الأعيان… المال بدل المشروع
في مقابل تراجع النخب السياسية التقليدية، برزت فئة “الأعيان” كفاعل أساسي داخل الأحزاب. هؤلاء لا يستمدون قوتهم من برامج أو رؤى، بل من نفوذهم المالي والاجتماعي.
هذا التحول أفرغ العمل السياسي من مضمونه، وجعل من الانتخابات سباقاً للمال والنفوذ، بدل أن تكون تنافساً بين مشاريع مجتمعية. وهو ما ساهم في تعميق الفجوة بين المواطن والسياسة.
الترحال السياسي… وجه آخر للأزمة
من بين الظواهر التي تعكس هشاشة البناء الحزبي، استمرار ظاهرة الترحال السياسي، حيث ينتقل المنتخبون من حزب إلى آخر حسب المصالح والظروف.
هذه الممارسة تضرب في العمق مصداقية العمل الحزبي، وتكرس صورة سلبية لدى الرأي العام، مفادها أن الانتماء الحزبي لا يقوم على قناعة، بل على حسابات ظرفية.
بين التوجيهات الملكية وواقع الممارسة
لطالما شددت التوجيهات الملكية السامية على ضرورة تخليق الحياة السياسية، وتعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار للعمل الحزبي.
غير أن المتتبع للمشهد السياسي يلاحظ أن هذه التوجيهات، رغم وضوحها وقوتها، لم تجد بعد التفاعل المطلوب من طرف عدد من الأحزاب، التي ما تزال حبيسة نفس الممارسات القديمة،و مازال القادة يتوارثون المناصب.
وهنا يبرز سؤال محرج: لماذا لم تنجح الأحزاب في ترجمة هذه التوجيهات إلى ممارسات ملموسة؟ وهل المشكلة في الإرادة، أم في البنية، أم في الثقافة السياسية السائدة؟
الإعلام والسوشيال ميديا… سحب البساط
في ظل هذا الفراغ، برز الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي كبديل للتأطير والتأثير. فقد أصبح “المؤثر” أحياناً أكثر تأثيراً من السياسي، وصار النقاش العمومي يُدار خارج مقرات الأحزاب.
هذا التحول يطرح تحدياً حقيقياً أمام الأحزاب، التي لم تنجح بعد في التأقلم مع هذه الوسائط الجديدة، ولا في استثمارها بشكل فعال.
انتخابات 2026… لحظة الحقيقة
مع اقتراب أفق 2026، تبدو الساحة السياسية على موعد مع اختبار حاسم. فهذه الانتخابات لن تكون مجرد محطة عادية، بل لحظة كاشفة لكل أعطاب المشهد الحزبي.
إما أن تنجح الأحزاب في استعادة ثقة المواطنين، عبر تجديد نخبها وخطابها وممارساتها، أو أن تستمر في فقدان موقعها، ما قد يفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية النظام السياسي.
سيناريوهات محتملة
أمام هذا الوضع، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- سيناريو الاستمرارية:
حيث تستمر نفس الوجوه ونفس الممارسات، مع مشاركة ضعيفة وثقة مهزوزة. - سيناريو التصحيح:
حيث تقوم بعض الأحزاب بمراجعات داخلية عميقة، تعيد لها جزءاً من مصداقيتها. - سيناريو القطيعة:
حيث يحدث تحول كبير في المشهد، مع صعود فاعلين جدد وتراجع دور الأحزاب التقليدية.
الحاجة إلى ثورة داخلية
إن ما تحتاجه الأحزاب اليوم ليس مجرد إصلاحات سطحية، بل ثورة داخلية حقيقية تعيد لها روحها ووظيفتها.
ثورة تبدأ من:
- تعزيز الديمقراطية الداخلية
- تجديد النخب
- القطع مع منطق الريع السياسي
- إعادة الاعتبار للفكر والبرنامج
بدون ذلك، ستظل الأحزاب تدور في حلقة مفرغة.
المغرب أمام مفترق طرق
لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية أو ديمقراطية فعالة دون أحزاب قوية. فضعف الأحزاب لا يعني فقط أزمة سياسية، بل تهديداً للتوازن العام.
والمغرب، وهو يواجه تحديات داخلية وخارجية، في حاجة إلى فاعل حزبي مسؤول، قادر على التأطير والتعبئة والمواكبة.
هل تستفيق الأحزاب قبل فوات الأوان؟
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تدرك الأحزاب حجم التحدي قبل فوات الأوان؟ أم أنها ستواصل السير في نفس الطريق، حتى تفقد ما تبقى من دورها؟
انتخابات 2026 لن تكون مجرد موعد انتخابي، بل ستكون مرآة تعكس حقيقة المشهد السياسي في المغرب.
إما أن تكون بداية لمرحلة جديدة، تعود فيها السياسة إلى معناها النبيل، أو محطة أخرى تؤكد أن أزمة الأحزاب أعمق مما نتصور… وأن الوساطة السياسية، كما عرفناها، دخلت مرحلة الاحتضار.






