سياسة

زلزال التحقيقات يضرب قطاع النفايات: وزارة الداخلية تفتح “الصندوق الأسود” لتدبير المطارح وتلاحق تعثر مشاريع بـ 40 مليار درهم

أطلقت المديرية العامة للجماعات الترابية التابعة لوزارة الداخلية حملة تفتيش وتحقيق واسعة النطاق، تهدف إلى فحص الاختلالات الجسيمة التي تشوب تدبير مطارح النفايات بالعديد من المدن المغربية. ويأتي هذا التحرك بعد رصد تعثرات مقلقة في مشاريع استراتيجية كُلفت استثمارات بملايير الدراهم، وضُخت لها ميزانيات ضخمة ضمن البرنامج الوطني لتدبير النفايات المنزلية.

تبديد الملايير وتحقيقات في “المشاريع المتعثرة”

تفيد المعطيات المتوفرة أن وزارة الداخلية تضع تحت المجهر البرنامج الوطني لتدبير النفايات المنزلية والمماثلة لها، والذي خصصت له الحكومة غلافاً مالياً إجمالياً يناهز 40 مليار درهم. ورغم ضخامة هذا الغلاف المالي، سجلت لجان التفتيش فجوة كبيرة بين الاعتمادات المرصودة والواقع الميداني، حيث تبين وجود:

  • اختلالات تدبيرية: في المشاريع المخصصة لإحداث مطارح تحترم المعايير البيئية الدولية.

  • مشاريع “وهمية” أو متعثرة: استنزفت ملايير الدراهم دون أن ترى النور أو دون أن تحقق الأهداف البيئية المسطرة لها.

  • خرق المعايير البيئية: استمرار بعض المدن في الاعتماد على مطارح عشوائية تشكل خطراً محدقاً بالفرشة المائية والصحة العامة، رغم وجود ميزانيات مخصصة لإغلاقها وتأهيلها.

خارطة طريق جديدة: البرنامج الوطني (2023-2034)

وفي رد فعل مؤسساتي حازم، قامت وزارة الداخلية بإعداد البرنامج الوطني لتثمين النفايات المنزلية للفترة الممتدة بين 2023 و2034. هذا المخطط الجديد يهدف إلى تدارك إخفاقات العقد الماضي عبر محاور استراتيجية تتضمن:

  1. المراكز الإقليمية: إنجاز ما يقارب 50 مركزاً إقليمياً لطمر وتثمين النفايات، تعتمد تقنيات حديثة في الفرز وإعادة التدوير.

  2. تصفية التركة القديمة: إنجاز مشاريع خاصة بإعادة تهيئة المطارح القديمة وإغلاقها نهائياً، حيث يستهدف البرنامج حوالي 233 مطرحاً عشوائياً موزعة على التراب الوطني.

  3. تثمين النفايات: الانتقال من مفهوم “الطمر” البسيط إلى “التثمين”، لتحويل النفايات إلى مورد طاقي أو مواد أولية قابلة لإعادة الاستخدام.

المسؤولية والمحاسبة: رؤساء جماعات في “قفص الاتهام”

تشير المصادر إلى أن التحقيقات لن تكتفي برصد الخلل التقني، بل ستمتد لتحديد المسؤوليات الإدارية والمالية. ومن المتوقع أن تطال المساءلة مجالس جماعية وشركات تدبير مفوض لم تلتزم بدفاتر التحملات، مما أدى إلى تحول بعض المطارح إلى بؤر للتلوث عوض أن تكون مراكز للمعالجة.

ويأتي هذا التحقيق في سياق يتسم بتشديد الرقابة على الجماعات الترابية، خاصة في ظل التقارير الأخيرة للمجلس الأعلى للحسابات التي نبهت إلى ضعف الحكامة في قطاع النظافة وتدبير المطارح، وهو ما يضع العديد من رؤساء الجماعات أمام شبح العزل أو المتابعة القضائية في حال ثبوت تبديد أموال البرنامج الوطني.

نحو جيل جديد من المطارح البيئية

إن رهان وزارة الداخلية اليوم يتجاوز مجرد إغلاق المطارح، بل يصب في خلق منظومة “اقتصاد دائر” قادرة على خلق فرص شغل وتقليص البصمة الكربونية للمدن المغربية. ويبقى نجاح البرنامج الجديد رهيناً بمدى صرامة التحقيقات الجارية، وقدرتها على وقف نزيف الميزانيات في مشاريع “تُدفن” فيها الملايير كما تُدفن النفايات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى