قضايا

الأمطار تفضح أعطاب مشاريع عمومية: لجان تفتيش تفتح ملفات اختلالات بملايير الدراهم

كشفت التساقطات المطرية الأخيرة هشاشة عدد من مشاريع البنية التحتية المنجزة بعدة جماعات ترابية، بعدما انهارت أو تضررت بشكل لافت، رغم رصد اعتمادات مالية ضخمة لها في إطار برامج حكومية تروم تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. هذه التطورات عجّلت بتحرك لجان المفتشية العامة لوزارة الداخلية التي باشرت افتحاصًا ميدانيًا لعدد من الجماعات المستفيدة من تمويلات بملايير الدراهم، دون أن تنعكس تلك الاستثمارات على أرض الواقع بالشكل المعلن.

وحسب معطيات متطابقة، انتقلت لجان التفتيش إلى مقرات جماعات ترابية استفادت من دعم مالي مهم، خاصة عبر صندوق التنمية القروية، غير أن مشاريع مبرمجة خلال ولايات مجالس سابقة وحالية إما تعثرت، أو أنجزت بجودة متدنية، ما جعلها غير قادرة على الصمود أمام أولى الاختبارات الطبيعية، وعلى رأسها التساقطات المطرية.

مسالك طرقية تنهار وأموال عمومية تحت المجهر

وتتركز الشبهات أساسًا حول مشاريع المسالك الطرقية القروية التي استنزفت اعتمادات مالية كبيرة، قبل أن تتعرض للتلف السريع، في تناقض صارخ مع الأهداف المعلنة لبرنامج تقليص الفوارق المجالية. وتشير التقارير الأولية إلى اختلالات في الإنجاز والتتبع والمراقبة التقنية، ما يطرح علامات استفهام حول نجاعة صرف المال العام ومسؤولية مختلف المتدخلين.

ولم تسلم كذلك أموال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من دائرة الافتحاص، حيث شملت عمليات التدقيق جماعات استفادت من تمويلات مشتركة بين عدة قطاعات حكومية في إطار مخططات العمل الجهوي للفترة ما بين 2017 و2023، دون أن تحقق المشاريع المنجزة الأثر الاجتماعي والاقتصادي المنتظر منها.

تسريع المساءلة وتحديد المسؤوليات

وأمام تواتر هذه المؤشرات، سارعت وزارة الداخلية إلى حث الولاة والعمال على تفعيل مقترحات لجان التدقيق الداخلية، ودراسة خلاصات التقييم المرحلي للبرامج المنجزة، تمهيدًا لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية في حق كل من ثبت تقصيره أو تورطه في اختلالات التدبير والتنفيذ.

وفي السياق ذاته، تلقت وكالات تنفيذ المشاريع الجهوية توصيات صارمة من المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية، شددت على ضرورة الرفع من جودة الأداء، وتحسين الحكامة، وتقوية المرافقة القانونية والهندسة التقنية والمالية، إلى جانب تدارك الهفوات المسجلة خلال تنفيذ المشاريع التي صادقت عليها مجالس الجهات.

مساءلة موسعة لمسؤولين ومنتخبين

ولن تقتصر المساءلة، بحسب المعطيات المتوفرة، على المنتخبين المحليين فقط، بل ستشمل أيضًا مسؤولين ترابيين ورؤساء مصالح خارجية تابعة لقطاعات حكومية معنية، على خلفية ما اعتُبر استهتارًا في تنزيل برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، الذي خصصت له الحكومة غلافًا ماليًا إجماليًا ناهز 50 مليار درهم، وُجه نحو 74 في المائة من استثماراته إلى المناطق الجبلية.

ويشمل هذا البرنامج إنجاز مشاريع كبرى في البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والماء الصالح للشرب، من بينها بناء وتأهيل أكثر من 26 ألف كيلومتر من الطرق والمسالك القروية، وإحداث مئات المنشآت الفنية، إلى جانب تجهيز المؤسسات التعليمية والصحية بمختلف جهات المملكة.

أرقام رسمية… وتنزيل متعثر

وأفادت المعطيات الرسمية بأن البرنامج سجل نسبة التزام مالي بلغت 98 في المائة، فيما وصلت نسبة الأداء الإجمالية إلى 83 في المائة. وبلغ مجموع الاعتمادات المرصودة على الصعيد الوطني حوالي 46.57 مليار درهم، استفادت منها بالأساس الجهات ذات الطابع الجبلي، من قبيل طنجة – تطوان – الحسيمة، فاس – مكناس، بني ملال – خنيفرة، ودرعة – تافيلالت.

غير أن التنزيل الميداني لهذه المشاريع كشف عن إخفاقات تعاكس التوجه الحكومي الرامي إلى تقليص الهوة بين العالمين القروي والحضري، إذ أظهرت الأرقام تفاوتًا كبيرًا بين الجهات في نسب الإنجاز وجودة الخدمات المقدمة، خاصة في ما يتعلق بولوج الساكنة القروية إلى التعليم والصحة والماء والطرق.

الأمطار كاختبار حقيقي للحكامة

وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة مطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان صرف المال العام وفق معايير الجودة والنجاعة والاستدامة، حتى لا تتحول المشاريع العمومية إلى أوراش ظرفية سرعان ما تفضحها أولى التساقطات المطرية، بدل أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية المجالية المنشودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى