قضايا

هل تجرؤ الحكومة على قطع شريان الفساد؟ صفقات البرلمانيين والمقربين تُفجّر غضب الشارع وتفضح شعارات النزاهة

منذ سنوات، والصفقات العمومية تشكّل البوابة الكبرى التي يتسرّب منها الفساد إلى جسد الدولة، لتتحوّل إلى سرطان ينهش الثقة في الحكومة والمؤسسات. ومع كل تعديل وزاري أو حديث عن “الشفافية”، يعود السؤال القديم الجديد: هل تجرؤ الحكومة فعلاً على القطع مع صفقات البرلمانيين والمقربين من الوزراء؟وهل يمكن للحكومة و البرلمان سن قوانين جديدة مع هذه الأفة من خلال منع بين الصفة البرلمانية و الوزارية و بين الحصول على صفقات الدولة؟

الجواب ما يزال مُبهماً، بل ويميل إلى النفي، لأن الوقائع تؤكد أن أسباب الاحتقان والغليان الشعبي الذي يعيشه المغرب اليوم و الذي أخرج جيل زيد بعد حراك الربيع العربي لا تنفصل عن منطق الزبونية والمحسوبية الذي يسود داخل قطاعات حيوية، خاصة التعليم والصحة، حيث تتكرر الفضائح ويتعمق الشعور بانعدام العدالة في توزيع الفرص.

مصادر متطابقة تشير إلى أن عدداً من البرلمانيين و مقربين من وزراء المنتمين إلى أحزاب الأغلبية الحكومية باتوا اليوم يتحكمون في جل الصفقات العمومية، عبر شركاتهم أو شركات مقربين منهم، تحت يافطات قانونية ظاهرها الشفافية وباطنها التحكم والتوجيه المسبق.
فمن الحراسة إلى النظافة، ومن خدمات الاستقبال إلى أعمال الكتابة والمناولة، لا تكاد تمر صفقة واحدة دون أن تُوجَّه بطريقة مدروسة نحو شبكة النفوذ نفسها، التي تُدير خيوطها بلوائح” متحكم فيها” للمقاولات و الأشخاص من داخل الوزارات والمؤسسات العمومية، تحت غطاء مساطر قانونية شكلية، وعروض ظاهرها التنافس، وباطنها التحكم عن بُعد.

ورغم أن الحكومة ترفع شعار “تكافؤ الفرص وشفافية فتح الأظرفة”، فإن الواقع يكشف أن النتائج تُحسم قبل أن تُعلن، وأن عشرات الشركات المواطِنة التي تحترم القوانين والإجراءات، تُقصى بشكل ممنهج لأنها ببساطة لا تنتمي إلى دائرة النفوذ السياسي والمالي نفسها و لا تحمل صفة برلماني أو وزير نافذ.

الجدل الأخير حول صفقة النظافة بالمركز الاستشفائي الإقليمي بمكناس، التي بلغت قيمتها 134 مليون درهم، ليس سوى عينة صغيرة من جبل الفساد الظاهر.
فبعد أن تمّت ترسية الصفقة على تعاونية غير مؤهلة تقنياً ولا مالياً لتدبير خدمة حساسة داخل مؤسسة تستقبل مئات المرضى يومياً، اندلع سيل من التساؤلات حول من يقف خلفها، ومن سمح بتمريرها رغم غياب الأهلية.

مصادر من داخل القطاع تؤكد أن قرار إلغاء الصفقة جاء بعد ضغط متزايد من الرأي العام، وبعد أن تبيّن أن العملية تمّت في ظروف غامضة ومشبوهة، لتعود وزارة الصحة اليوم إلى مراجعة شاملة لمجمل الصفقات السابقة، والتدقيق في مدى احترامها للقانون، خصوصاً في ما يتعلق بشروط الكفاءة والقدرة التقنية والمالية للمتعهدين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي الإلغاء لتطهير المنظومة؟ أم أن الأمر يتطلب تفكيكاً جذرياً للشبكة التي تتحكم من خلف الستار؟

ما يجري في كواليس الصفقات الحكومية ليس شأناً إدارياً فقط، بل قضية سياسية واجتماعية بامتياز، لأنها ترتبط مباشرة بثقة المواطنين في الدولة، وبشعورهم بالعدالة.
حين يرى المواطن أن نفس الوجوه البرلمانية والمقربين من الوزراء تهيمن على كل صفقة، بينما المقاولات الصغرى تغلق أبوابها بسبب الإقصاء، فإن الاحتقان يصبح أمراً طبيعياً، والغضب الشعبي يجد مبرره الكامل.

اليوم، بات من الواضح أن التحكم في الصفقات هو أخطر مظاهر الفساد داخل الحكومة، وأنه أصل الداء الذي يُغذي كل أشكال التلاعب والريع والتضارب بين المال والسياسة.
وإن لم تبادر الحكومة إلى فتح هذا الملف بشجاعة ومسؤولية،و تدفع الى الإصلاح و محاربة الفساد المستشري، فإن البلاد مقبلة على أزمة ثقة أخطر من كل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحالية.

القطع مع الفساد لا يتم بالتصريحات ولا بالشعارات، بل بقرارات حقيقية تُحاسب المتورطين مهما كانت مواقعهم، وتُنهي زواج المصلحة بين السياسة والمال العام.
لقد ملّ المواطنون من الكلام المنمّق حول “الشفافية والنزاهة”، وهم ينتظرون أفعالاً تُعيد للدولة هيبتها، وللقانون سلطته، وللمؤسسات مصداقيتها.

لقد آن الأوان لأن تعلن الحكومة ـ إن كانت جادة ـ أن زمن البرلمانيين ورجال السياسة الذين يقتاتون من الصفقات قد انتهى، وأن المال العام لن يكون بعد اليوم غنيمة في يد المقربين، بل أمانة في خدمة الوطن والمواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى