فاس تغرق في الأوساخ… من يحاسب شركات التدبير؟ وأين ذهبت وعود “المدينة الذكية” وميزانية 22 مليار؟

لم يعد ما تعيشه مدينة فاس في قطاع النظافة مجرد اختلالات عابرة أو نقائص ظرفية، بل تحول إلى واقع يومي صادم يضع المدينة في خانة “المدن المتسخة بكل المقاييس”، في ظل تراجع واضح للخدمات، وغياب الصرامة في المراقبة، واستمرار نفس الأعطاب دون حلول جذرية.
أحياء بلا تكنيس… ونقط سوداء تتمدد
في عدد كبير من أحياء المدينة، أصبح التكنيس شبه غائب، حيث تتراكم الأتربة والنفايات لأيام دون تدخل يُذكر. أزقة بكاملها لم تعد ترى عمال النظافة إلا نادرًا، ما أدى إلى انتشار ما بات يُعرف بـ”النقط السوداء”، التي لم تعد حالات معزولة، بل ظاهرة في توسع مستمر خلال السنوات الأخيرة.
هذه النقط، التي تتجمع فيها النفايات بشكل عشوائي، تحولت إلى مصدر دائم للروائح الكريهة، ومجال خصب للحشرات والكلاب الضالة، في مشهد يسيء لكرامة الساكنة ويطرح أسئلة جدية حول جدوى التدبير الحالي.
حاويات تخنق البيئة… لا تُغسل ولا تُجدد
أما الحاويات، فهي عنوان آخر للأزمة. فعدد كبير منها لم يعد صالحًا للاستعمال: مهترئة، مكسّرة، أو بدون أغطية، فيما أخرى تغيب كليًا عن بعض الأحياء، ما يدفع السكان إلى رمي الأزبال في العراء.
الأخطر من ذلك، أن هذه الحاويات لا يتم غسلها أو تعقيمها بشكل منتظم، ما يجعلها بؤرًا للتلوث ومصدرًا مباشرًا للأمراض. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول إلى نقاط سوداء متنقلة، تخنق البيئة وتزيد من معاناة الساكنة.
حين يعوض المواطن الجماعة
أمام هذا الفراغ، وجد المواطن نفسه مضطرًا للقيام بدور الجماعة والشركات المفوض لها. في عدد من الأحياء، تكفلت الساكنة والوداديات بعمليات التنظيف والتكنيس، في مبادرات تعكس روح المسؤولية، لكنها في المقابل تكشف حجم الاختلال.
فكيف يعقل أن يتحول التكنيس إلى مهمة تطوعية، بينما تُرصد ميزانيات ضخمة لهذا القطاع؟ وأين هي الشركات المفوض لها التي يفترض أن تؤدي هذه الخدمات وفق دفتر تحملات واضح؟
شركات تحت المجهر… ومردودية محل شك
الانتقادات تتجه بشكل مباشر نحو شركتي SOS وMecomar، اللتين تُتهمان بعدم احترام التزاماتها التعاقدية، سواء من حيث عدد الجولات أو جودة التكنيس أو صيانة الحاويات.
ورغم ذلك، يظل السؤال معلقًا: أين هي آليات المراقبة والزجر؟ وهل يتم تفعيل بنود دفتر التحملات في حال الإخلال به، أم أن القطاع أصبح خارج دائرة المحاسبة؟
مجلس غائب… ومدينة بلا قيادة في ملف النظافة
في خضم هذه الأزمة، تتجه الأنظار نحو المجلس الجماعي لفاس، الذي يُفترض أن يضطلع بدور محوري في التتبع والمراقبة. غير أن الواقع يوحي بغياب تواصل واضح أو إجراءات ملموسة تعيد الثقة للساكنة.
كما يطرح المواطنون تساؤلات حول موقع عمدة المدينة من هذا الملف، في ظل تفاقم الوضع واستمراره دون حلول جذرية.
22 مليار… بلا أثر يُذكر
الحديث عن ميزانية تناهز 22 مليار سنتيم مخصصة لقطاع النظافة يزيد من حدة الجدل، خاصة وأن أثرها على الأرض يكاد يكون منعدمًا. فالأحياء تعاني، والخدمات متراجعة، والنقط السوداء في ازدياد… فأين تصرف هذه الاعتمادات؟
“المدينة الذكية”… مجرد شعار؟
في الوقت الذي تتحدث فيه المدينة عن مشاريع “ذكية”، يبدو أن قطاع النظافة ما يزال بعيدًا عن أي تحديث حقيقي. فلا وجود لحاويات ذكية، ولا لأنظمة تتبع رقمية، ولا لتطبيقات تتيح التفاعل مع شكاوى المواطنين.
وهو ما يجعل هذا الورش، في نظر كثيرين، مجرد عنوان تسويقي لا يجد طريقه إلى التنفيذ.
فاس… مدينة متسخة بكل المقاييس
اليوم، لم يعد بالإمكان تجميل الصورة: فاس تعيش أزمة نظافة حقيقية، تجعلها، في نظر كثير من ساكنتها وزوارها، مدينة متسخة بكل المواصفات، لا تعكس تاريخها ولا مكانتها.
هل حان وقت القطيعة؟
أمام هذا الواقع، تتعالى الأصوات المطالبة بإعادة النظر جذريًا في نموذج التدبير، بما في ذلك إحداث شركة تنمية محلية تتولى القطاع بشكل مباشر، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.
فإما أن تتحرك الجهات المعنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو أن تستمر فاس في الانحدار، لتتحول من عاصمة للعلم إلى عنوان لفشل التدبير الحضري.






