ليلة بيضاء لـ ” الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس مكناس” في مواجهة غضب الطبيعة: تعبئة شاملة لضمان سلامة المواطنين

في خضم التحديات المتصاعدة للتغيرات المناخية وتواتر النشرات الإنذارية التي تعيشها البلاد، لم تعد الاستجابة للفيضانات مجرد عملية إغاثة تلو الكارثة، بل تحولت إلى إدارة استباقية للمخاطر عنوانها “اليقظة الدائمة”. هذا ما جسدته تماماً “الشركة الجهوية المتعددة الخدمات فاس-مكناس” خلال “ليلة بيضاء” من العمل المتواصل، التي سبقت وصول التساقطات المطرية الغزيرة المرتقبة في الأقاليم التسعة بالجهة. المقاربة التي اعتمدها المدير العام للشركة، بالتنسيق المباشر مع السلطات الولائية وعمال العمالات، تبرز نموذجاً جديداً في التعامل مع الأزمات الطبيعية، يرتكز على تفعيل البنية التحتية الصلبة، والاعتماد على الكفاءة البشرية، وتدارك الثغرات الهيكلية.
1. القيادة الحكيمة والتنسيق المؤسساتي كدرع وقائي
كانت الملامح الأبرز لهذه الليلة هي التعبئة الشاملة والمستمرة لفرق الشركة، من السهل إلى الجبل. لكن ما يرفع من قيمة هذا الأداء هو مستوى التنسيق العالي:
-
القيادة المباشرة: قاد المدير العام للشركة عمليات الترقب والتوجيه من مركز القيادة، ما يؤكد مركزية قرار الاستباقية.
-
التكامل الأفقي والرأسي: التنسيق اللحظي مع سلطات ولاية الجهة وعمال عمالات الأقاليم ضمن أن القرارات المتخذة (كتوقيف الدراسة في المناطق المعرضة للخطر) كانت موحدة ومفعلة على كافة التراب الجهوي.
-
مركز الأزمة الرقمي: إنشاء مركز أمني لاستقبال الشكايات على مدار الساعة هو خطوة حاسمة في إدارة الأزمة، تضمن تحويل البلاغات من نقاط فردية إلى بيانات تدخل موجهة للفرق الميدانية، ما يعزز سرعة الاستجابة.
2. معركة “التطهير السائل”: من الإغاثة إلى الصيانة الوقائية
لم يكن الهدف هو فقط انتظار سقوط الأمطار، بل تجهيز “الشريان الحيوي” للمدن قبل وصولها. وتمحور جهد الشركة على محورين أساسيين:
أ. تطهير البالوعات: “كشف العورة” الحضرية
ركزت جهود فرق الشركة على تطهير آلاف البالوعات التي تشكل “صمام أمان” الشبكة. هذه العملية لا تنفصل عن معالجة إشكالية الرواسب التي غالباً ما تتراكم بسبب مخلفات شركات النظافة ورمي الأوساخ داخلها. هذا التدخل يبرز الوعي بأن الإهمال البشري والممارسات غير المسؤولة هي السبب الأقوى لانسداد شبكات الصرف الصحي، مما يحول الكميات العادية من الأمطار إلى فيضانات مدمرة. كما تم العمل على تأمين محيط المركب الرياضي بفاس وهي منطقة باتت تحت سيطرة فرق الشركة تزامنا مع إنطلاق مباريات كأس إفريقيا للأمم.
ب. تفعيل شاحنات التطهير والدفع المائي
لضمان أقصى قدرة استيعابية للقنوات، تم تسخير شاحنات التطهير ذات الضغط العالي (Hydrocureurs) لـ “الدفع بانسيايبة مجاري مياه الشتاء داخل قنوات الصرف الصحي”. هذا الإجراء التقني الدقيق يهدف إلى:
-
إزالة الانسدادات العميقة: التخلص من الكتل الصلبة والطينية التي تعيق الجريان.
-
رفع الطاقة الاستيعابية: ضمان مرور أكبر كمية ممكنة من المياه في الثانية الواحدة، مما يقي من طفح المياه السطحية.
3. دور البنيات التحتية المهيكلة والمشاريع الكبرى
إن نجاح الشركة في التحكم في الوضع لا ينفصل عن المشاريع الكبرى التي تم إطلاقها في الجهة لحماية فاس من الفيضانات. فوفقاً لمعطيات سابقة، تم تخصيص أكثر من 300 مليون درهم لتحديث شبكة التطهير السائل، بما في ذلك إنجاز مجمعات رئيسية ضخمة (كأنفاق وادي الحيمر ووادي الميت وواد المهراز).
هذه الأوراش العملاقة التي تشرف عليها الشركة (SRM FM) تعكس رؤية استراتيجية لتقوية البنية التحتية وجعلها صامدة أمام التغيرات المناخية، ما يجعل العمل الليلي خلال الإنذار الحالي هو تفعيل لفعالية هذه الاستثمارات الضخمة.
4. رسالة واضحة: من “غضب الطبيعة” إلى “مسؤولية الجميع”
تختتم هذه التعبئة الشاملة برسالة مزدوجة:
-
قوة الأداء العمومي: قدرة الشركة الجهوية للخدمات فاس مكناس على تفعيل مواردها البشرية واللوجستية في وقت قياسي (من مستخدمين وفرق فنية وشاحنات متخصصة) لمواجهة التهديد بشكل فعلي.
-
دعوة للمواطنة: الإشارة إلى ممارسات شركات النظافة والعمال الذين يرمون المخلفات في البالوعات هي دعوة للتحلي بـ المسؤولية المشتركة. فجهد الشركة يظل منقوصاً ما لم يقابله التزام من الساكنة والمتدخلين بالحفاظ على نظافة شبكات الصرف الصحي.
لم تكن “ليلة بيضاء” للشركة الجهوية للخدمات فاس مكناس مجرد إجراء روتيني، بل كانت اختباراً عملياً للجودة الاستباقية في إدارة المخاطر، أظهرت فيه المؤسسة حنكة في القيادة الميدانية، وكفاءة في تفعيل الأدوات التقنية، ووعياً عميقاً بضرورة التكامل بين الجهد المؤسساتي والسلوك المواطن لتأمين جهة عريقة أمام تقلبات المناخ.
تضامن شعبي يُنير “الليل الأبيض”: شهادة تقدير من أحياء فاس-مكناس

لم يقتصر المشهد الليلي على عمل الآليات والفرق التقنية فقط، بل شهد تفاعلاً إنسانياً ومجتمعياً لافتاً يعكس وعي الساكنة بأهمية الجهد المبذول. فقد استحسن المواطنون في مختلف أحياء الجهة، ولا سيما في الأحياء الشعبية التي غالباً ما تكون الأكثر تضرراً من تراكم مياه الأمطار، تدخلات الشركة الجهوية للخدمات. هذا التقدير لم يأتِ شفهياً وحسب، بل تجسد في مبادرات تلقائية ودافئة: فبعد منتصف ليلة الإثنين-الثلاثاء، ومع استمرار الفرق في العمل الدؤوب تحت الأضواء الكاشفة، خرج عدد من سكان هذه الأحياء لتقديم الشاي والقهوة لعمال الشركة، في لفتة تضامنية عميقة. هذه المبادرات البسيطة والمؤثرة لم تقتصر على توفير الدفء الجسدي للعمال في ليلة باردة، بل كانت بمثابة شهادة تقدير معنوية تعزز الروح القتالية للفرق التقنية، وتؤكد أن الأداء الجيد للخدمة العمومية يولد جسوراً من الثقة والتآزر بين المؤسسة والمواطنين، محولاً “ليلة الأزمة” إلى “ليلة تضامن وطني مصغر”.






