سياسة

ابن كيران يصعّد رده على بوعياش: سجال حول الدين والانتخابات وحدود الخطاب السياسي

عاد الجدل حول حضور الدين في الخطاب السياسي والانتخابي إلى واجهة المشهد المغربي، بعدما وجّه عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، انتقادات مباشرة إلى آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، على خلفية ملاحظات المجلس بشأن توظيف الدين والرموز الدينية خلال الحملة الانتخابية الأخيرة.

واختار ابن كيران الرد على بوعياش من مدخل طبيعة الدولة المغربية وموقع الدين فيها، معتبرا أن الدعوة إلى منع الحديث عن الدين خلال الحملات الانتخابية، إذا كان هذا هو المقصود من ملاحظات رئيسة المجلس، تطرح في نظره سؤالا أوسع يتعلق بالمرتكزات التي تقوم عليها الدولة المغربية.

وقال ابن كيران، في كلمة نشرها الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026، إن المغرب دولة تقوم، بحسب تعبيره، على الإسلام والملكية وإمارة المؤمنين، رافضا ما اعتبره أي توجه يمكن أن يقود إلى فصل الدولة عن مرجعيتها الدينية.

وفي أقوى تصريحاته، قال الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إن منع الحديث عن الدين في الحملات الانتخابية، إذا كان المقصود من هذا الطرح، سيعني بالنسبة إليه تغيير طبيعة الدولة المغربية، مضيفا أن المغرب ظل، وفق قراءته، مرتبطا تاريخيا بالدين وبمؤسسة إمارة المؤمنين.

ولم يقف ابن كيران عند حدود الدفاع عن حضور الدين في المجال العام، بل عبّر صراحة عن رفضه لأي توجه نحو علمنة الدولة، قائلا إن المغرب دولة إسلامية وستظل كذلك، ومؤكدا تمسكه باستمرار المرجعية الإسلامية للدولة والمجتمع.

بوعياش تتحدث عن توظيف الدين وليس عن إلغاء الدين

ويأتي رد ابن كيران بعد عرض المجلس الوطني لحقوق الإنسان خلاصاته الأولية بشأن الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر، حيث قالت آمنة بوعياش إن الملاحظين سجلوا حالات مرتبطة باستعمال الدين والرموز الدينية خلال الحملة الانتخابية، مشيرة إلى حالات جرى فيها تقديم الانتخابات وكأنها مواجهة بين المسلمين وغير المسلمين. كما تحدثت المعطيات التي نقلت عن المجلس عن رصد حالات ميدانية ومحتويات رقمية مرتبطة بتوظيف الدين.

ويؤكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن مهمته خلال الانتخابات تقوم على الملاحظة المستقلة والمحايدة لمختلف مراحل العملية الانتخابية، وقد اعتمد لهذا الغرض 783 ملاحظا وملاحظة تابعين له، إلى جانب ملاحظين من جمعيات ومنظمات أخرى، مع اعتماد آلية خاصة لمراقبة الفضاء الرقمي.

ويبرز هنا اختلاف واضح في زاوية تناول الموضوع؛ فموقف بوعياش، وفق ما صدر عن المجلس، ينصب على استعمال الدين أو الرموز الدينية للتأثير في السلوك الانتخابي، بينما وسّع ابن كيران النقاش ليشمل حضور الدين في الدولة والمجال العام، معتبرا أن التضييق على الحديث عنه خلال الحملات لا يمكن فصله عن طبيعة الدولة المغربية كما يراها.

سجال يتجاوز الانتخابات

ويعكس هذا التباين وجود مستويين مختلفين في النقاش؛ الأول يتعلق بالقواعد التي ينبغي أن تحكم الحملات الانتخابية ومدى مشروعية استخدام الرموز أو المرجعيات الدينية للتأثير على الناخبين، والثاني يتعلق بمكانة الدين داخل الدولة والمجتمع المغربيين.

وفي هذا السياق، سبق لآمنة بوعياش أن قدمت، في مارس الماضي خلال لقاء بمجلس العموم البريطاني، تصورا حول ضرورة حماية الأديان والأفراد من الاستغلال السياسي للدين، مع التشديد في الوقت نفسه على حماية حرية المعتقد وممارسة الشعائر. كما عرضت التجربة المغربية في تأطير الحقل الديني باعتبارها نموذجا يقوم على حماية الدين من الاستغلال السياسي.

وبذلك، فإن مواقف بوعياش المعلنة لا تتجه، في مضمونها المعلن، إلى مناقشة مكانة الإسلام في الدولة المغربية، وإنما إلى مسألة أخرى تتعلق بما تعتبره المؤسسة الحقوقية توظيفا سياسيا للدين خلال المنافسة الانتخابية.

ابن كيران: «نريد أن يبقى أبناؤنا مسلمين»

وفي المقابل، جعل ابن كيران من مسألة الحفاظ على الهوية الدينية جزءا أساسيا من رده، مستحضرا ما قال إنه مطلب عبّر عنه مواطنون خلال الحملة الانتخابية، والمتمثل في الرغبة في استمرار تربية الأبناء على الإسلام.

وأكد أن التمسك بالدين، في نظره، لا يعني ادعاء الكمال أو التشبه بالصحابة، وإنما الاستمرار في اعتناق الإسلام والعمل بتعاليمه وفق القدرة، مستحضرا الشهادة والإيمان وممارسة الشعائر الدينية.

ويكشف هذا الجزء من خطاب ابن كيران عن انتقال النقاش من الممارسة الانتخابية إلى سؤال الهوية والمرجعية، وهو ما يمنح السجال أبعادا سياسية ومجتمعية تتجاوز مجرد تقييم بعض مظاهر الحملة الانتخابية.

مؤسسة حقوقية تراقب الانتخابات وحزب سياسي يقرأ نتائجها

ويأتي هذا السجال مباشرة بعد انتخابات 23 شتنبر، التي تابع المجلس الوطني لحقوق الإنسان مختلف مراحلها من خلال شبكة واسعة من الملاحظين، وقدم بشأنها ثمانية استنتاجات وثماني توصيات كبرى، مؤكدا أن عملية الملاحظة تمت وفق منهجية مستقلة ومحايدة.

وفي تقريره الأولي، اعتبر المجلس أن يوم الاقتراع مر في أجواء وصفها بأنها قد تكون عادية، مع تسجيل عدد من الوقائع والحالات التي قال إنها لم تؤثر في السير العام للعملية، بينما قرر إحالة معطيات مرتبطة بواقعتين على النيابة العامة.

ومن موقعه السياسي، يتعامل ابن كيران مع نتائج وملاحظات الانتخابات من زاوية حزبية وفكرية مختلفة، خصوصا أن العدالة والتنمية خرج من الاستحقاق بموقع جديد داخل مجلس النواب، بعد أن قرر مجلسه الوطني عدم المشاركة في الحكومة والاصطفاف في المعارضة.

جدل مرشح للاستمرار

ومن شأن التصريحات المتبادلة أن تجعل موضوع العلاقة بين الدين والسياسة واحدا من الملفات التي ستستمر في إثارة النقاش خلال المرحلة السياسية المقبلة، خصوصا مع انتقال البلاد إلى مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة وبدء ولاية تشريعية جديدة.

ويظل السؤال المطروح عمليا هو كيفية التمييز بين الحق في التعبير عن المرجعية الدينية، باعتبارها جزءا من قناعات الأفراد والأحزاب، وبين استخدام الدين بطريقة قد تؤثر في المنافسة الانتخابية أو تقدم الاختيار السياسي باعتباره مواجهة دينية بين مؤمنين وغير مؤمنين.

وبينما يدافع ابن كيران عن استمرار حضور المرجعية الإسلامية في الحياة العامة والسياسية، تركز مؤسسة حقوق الإنسان على ضرورة رصد أي استخدام للدين أو الرموز الدينية يمكن أن يؤثر في نزاهة المنافسة الانتخابية أو في حرية اختيار الناخبين.

وهكذا، فإن الخلاف بين الطرفين لا يبدو محصورا في تصريح عابر، بل يعكس نقاشا أوسع حول الحدود الفاصلة بين الدين والسياسة والانتخابات، وحول كيفية ضمان حرية التعبير السياسي في إطار احترام القواعد المنظمة للمنافسة الانتخابية، دون تحويل المرجعية الدينية إلى أداة للتأثير على اختيارات المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى