تدقيق مركزي يضع أوراش جماعات فاس-مكناس تحت المجهر.. الداخلية تفتش مسار المشاريع من التصميم إلى الإنجاز

دخلت أوراش عدد من الجماعات الترابية بجهة فاس-مكناس مرحلة جديدة من التدقيق الإداري والتقني، بعدما أُوفدت المصالح المركزية بوزارة الداخلية لجانا مختصة إلى جماعات ضمن نفوذ الجهة، في إطار افتحاص يركز على طريقة تدبير مشاريع البنية التحتية ومدى احترام المساطر القانونية والتقنية المعتمدة، من مرحلة إعداد الدراسات والتصاميم والتراخيص إلى التنفيذ والمراقبة والتسلم.
ويأتي هذا التحرك في سياق تصاعد المراقبة المركزية لتدبير الجماعات الترابية، حيث شملت التحريات التي أعلنت عنها مصادر مطلعة عددا من الجهات، من بينها فاس-مكناس، إلى جانب الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة، مع تركيز خاص على الأوراش التي تستوجب مراقبة تقنية متواصلة والتحقق من جودة المواد والأشغال ومطابقة المنجز للتصاميم والدراسات المصادق عليها.
وتكتسي جهة فاس-مكناس أهمية خاصة في هذا المسار، بالنظر إلى حجم الأوراش والمشاريع التي تشهدها مختلف أقاليمها وعمالاتها، وتعدد المتدخلين في إنجازها، بين الجماعات الترابية والمصالح التقنية ومكاتب الدراسات والمختبرات والمقاولات المكلفة بالأشغال، وهو ما يجعل تتبع المسؤوليات في كل مرحلة أمرا أساسيا عند إجراء أي افتحاص أو مراقبة.
ولا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المتاحة، بمجرد فحص للوثائق المالية أو الإدارية، وإنما بعملية تتجه إلى إعادة تركيب المسار الكامل للمشروع، ابتداء من التصور والدراسة والتصميم، مرورا بمرحلة الترخيص وإطلاق الأشغال ومراقبتها، وصولا إلى التسلم، مع مقارنة ما تنص عليه الوثائق التقنية بما تم إنجازه فعليا فوق الأرض.
وتشمل عملية التدقيق ملفات مرتبطة بصفقات الأشغال، والدراسات التقنية، ومحاضر الاجتماعات والزيارات الميدانية، وتقارير مكاتب الدراسات والمراقبة، ونتائج الاختبارات التي أجريت على المواد المستعملة، فضلا عن الوثائق التي تثبت عمليات أخذ العينات وقياس الجودة ومدى مطابقة الأشغال للمواصفات المحددة في دفاتر التحملات.
وتتجه اللجان، بحسب المعطيات المنشورة، إلى التدقيق في ما إذا كانت مختلف مراحل المراقبة قد أنجزت فعليا وفي الوقت المناسب، أم أن بعض الملفات اكتفت باستكمال الوثائق دون أن تكون المراقبة الميدانية قد تمت بالصرامة المطلوبة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشغال يصعب اكتشاف عيوبها أو تداركها بعد الانتقال إلى مراحل متقدمة من الإنجاز.
كما يجري فحص طريقة تعامل المسؤولين والمتدخلين مع التحفظات التقنية التي قد تسجل أثناء تقدم الأوراش، ومدى إصدار التعليمات اللازمة لتصحيح الأشغال أو إعادة الاختبارات عند ظهور نتائج غير مطابقة، فضلا عن التحقق من عدم الانتقال إلى مراحل جديدة قبل تسوية الملاحظات التقنية العالقة.
وفي جهة فاس-مكناس، تكتسب هذه العملية بعدا إضافيا بسبب وجود تدقيقات ومراقبات مؤسساتية أخرى مست مختلف الجماعات والمجالات التدبيرية خلال سنة 2026. فقد تضمنت وثائق رسمية منشورة في الجريدة الرسمية جماعات ومقاطعات بالجهة ضمن برامج للمراقبة، من بينها مقاطعات المرينيين وأكدال وسايس بفاس، وجماعة مكناس، وجماعات بعمالات وأقاليم مولاي يعقوب وبولمان وتاونات وصفرو، مع إدراج عدد من الجماعات في إطار المراقبة المندمجة.
ويتعين هنا التمييز بين هذه المراقبات المؤسساتية وبين مهمة اللجان المركزية التي يجري الحديث عنها حاليا، إذ إن إدراج جماعة ضمن برنامج مراقبة أو افتحاص لا يعني في حد ذاته ثبوت مخالفة أو اختلال، وإنما يشكل جزءا من آليات الرقابة والتدقيق التي تسمح بفحص كيفية تدبير المال والمشاريع العمومية وتحديد مدى احترام القواعد القانونية والتقنية.
وتتركز مهمة اللجان المركزية، في الملفات موضوع التدقيق الحالي، على مطابقة الدراسات والتصاميم المصادق عليها مع الأشغال المنجزة فعليا، والبحث عن أي تغييرات أو تعديلات طرأت أثناء التنفيذ، والتأكد من أنها تمت وفق المساطر القانونية والتقنية المعمول بها، خصوصا عندما تكون تلك التغييرات مرتبطة بجودة الأشغال أو كلفتها أو طبيعة المواد المستعملة.
كما تشمل التحريات مراجعة العلاقة بين أصحاب المشاريع والجماعات ومكاتب الدراسات والمراقبة والمختبرات والمقاولات، بهدف تحديد المسؤوليات بدقة في كل مرحلة، وعدم اختزال أي خلل محتمل في طرف واحد، بالنظر إلى أن تنفيذ المشاريع العمومية يقوم عادة على سلسلة متداخلة من المسؤوليات والمهام التقنية والإدارية.
وتحظى تقارير المختبرات ومكاتب المراقبة باهتمام خاص، إذ يجري فحص مدى انتظام تدخلاتها الميدانية ومطابقة نتائج الاختبارات للواقع، إلى جانب مراجعة محاضر الزيارات والتوصيات التقنية ومدى انعكاسها على سير الأشغال، خصوصا في المشاريع التي تتطلب اختبارات متكررة للمواد والمنشآت خلال مراحل التنفيذ المختلفة.
ولا تتوقف عملية التدقيق عند الجانب التقني، بل تمتد إلى المراسلات ومحاضر الاجتماعات والتنبيهات والتحفظات المتبادلة بين مختلف المتدخلين، وذلك من أجل تحديد كيفية التعامل مع الملاحظات المسجلة، وما إذا كانت قد تمت معالجتها قبل استمرار الأشغال، أم أن بعض المراحل واصلت تقدمها رغم وجود تحفظات لم تتم تسويتها.
ويأتي هذا النوع من التدقيق في وقت سبق أن شهدت فيه جهة فاس-مكناس تحركات رقابية في ملفات مرتبطة بتدبير الجماعات والصفقات والأوراش العمومية، إذ سبق للمصالح المركزية بوزارة الداخلية أن وجهت تعليمات وأبحاثا همت صفقات وعمليات مالية بجماعات في الجهة، كما طالت مراقبات أخرى ملفات مرتبطة بالأشغال العمومية والمواد المستعملة في الأوراش.
وتكشف هذه التطورات عن توجه نحو تعزيز الرقابة على المشروع العمومي منذ مراحله الأولى، وعدم الاكتفاء بالتدخل بعد ظهور المشاكل أو بعد انتهاء الأشغال، بما يجعل الدراسة والتصميم والترخيص والمراقبة الميدانية والاختبارات التقنية حلقات مترابطة في تحديد مدى احترام المشروع للمعايير المطلوبة.
وفي هذا السياق، تكتسي نتائج التدقيق المنتظر أهمية خاصة، لأنها وحدها القادرة على تحديد ما إذا كانت الملاحظات المسجلة ترقى إلى اختلالات تستوجب ترتيب مسؤوليات إدارية أو قانونية، أم أنها تدخل في إطار التحفظات التقنية العادية التي يمكن تصحيحها أثناء سير الأشغال.
كما أن أي مسؤولية محتملة، في حال ثبوتها، يفترض أن تحدد بناء على نتائج الأبحاث والوثائق ومحاضر المعاينة والخبرة التقنية، وليس بمجرد وجود لجنة تفتيش أو افتحاص، إذ إن إيفاد لجان المراقبة لا يعني مسبقا ثبوت مخالفات في المشاريع أو تحميل مسؤوليات لأشخاص أو مؤسسات.
وتتجه الأنظار، في المرحلة المقبلة، إلى ما ستسفر عنه تقارير اللجان المركزية بشأن الأوراش التي شملها التدقيق بجهة فاس-مكناس، وما إذا كانت المعاينات ستقود إلى إجراءات تصحيحية أو إدارية، أو ستكشف عن اختلالات تستوجب ترتيب المسؤوليات، خاصة أن وزارة الداخلية تعتمد في عدد من الملفات الرقابية على إعادة بناء المسار الكامل للمشروع، من الترخيص والدراسة إلى الإنجاز والمراقبة والتسلم.
وبذلك يتحول ورش المراقبة في الجماعات الترابية إلى عملية لا تقتصر على السؤال عن المشروع بعد إنجازه، وإنما تمتد إلى كل المراحل التي صنعت نتيجته النهائية، في توجه يجعل جودة الدراسات وصرامة المراقبة واحترام المواصفات التقنية وتوثيق مراحل التنفيذ عناصر أساسية في تقييم المشاريع العمومية بجهة فاس-مكناس وباقي جهات المملكة.






