صحة

فيروس الدفتيريا تعود إلى الواجهة في المغرب.. بؤرتان وحالتا وفاة تفتحان ملف التلقيح واليقظة الصحية

أعادت بؤرتان عائليتان لداء الخناق، المعروف بالدفتيريا، في جهة سوس ماسة، إلى الواجهة أسئلة صعبة حول منظومة الوقاية من الأمراض المعدية، ومدى قدرة المنظومة الصحية على رصد الثغرات في التغطية بالتلقيح قبل تحولها إلى حالات مرضية ووفيات، بعدما أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، الاثنين 28 شتنبر 2026، عن تسجيل بؤرتين محدودتين بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها.

وقالت الوزارة إن حالة واحدة تأكدت مخبرياً، بينما توجد ثماني حالات أخرى قيد التحري والتأكيد المخبري، من بينها حالتا وفاة، موضحة أن المعطيات الأولية تشير إلى أن الأطفال المعنيين لم يسبق لهم تلقي اللقاح المضاد للدفتيريا أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها.

ورغم تأكيد الوزارة أن الأمر يتعلق ببؤرتين عائليتين محدودتين، وأن فرق الاستجابة الوبائية السريعة باشرت التحقيق والبحث النشط عن حالات أخرى وتتبع المخالطين وتوفير العلاج الوقائي والتلقيح، فإن تسجيل وفيات بسبب مرض يمكن الوقاية منه بالتلقيح يعيد طرح سؤال أوسع من مجرد تدبير بؤرة محلية.

فالخناق ليس مرضاً جديداً ولا مجهولاً بالنسبة إلى المنظومة الصحية المغربية. ووفق معطيات منشورة من طرف اليونيسف في المغرب، لم يسجل المغرب حالات دفتيريا منذ سنة 1991، فيما مكّن ارتفاع مستويات التلقيح خلال العقود الماضية من تحقيق مكاسب كبيرة في مجال الوقاية من الأمراض التي يمكن تفاديها باللقاحات. كما تشير المعطيات نفسها إلى أن متوسط التغطية بالتلقيح في المغرب بلغ مستويات مرتفعة، مع وصول بعض اللقاحات إلى نسب تقارب 99 في المائة.

غير أن الأرقام الوطنية المرتفعة لا تعني بالضرورة أن جميع الأطفال، وفي جميع المناطق والأوساط الاجتماعية، يستفيدون من الحماية نفسها. فالمؤشر الأكثر أهمية في مثل هذه الحالات لا يرتبط فقط بمتوسط التغطية الوطنية، وإنما بقدرة النظام الصحي على تحديد الأطفال الذين لم يبدأوا برنامج التلقيح، أو الذين بدأوه ولم يستكملوا الجرعات، والوصول إليهم قبل أن تتحول الفجوات المناعية إلى بؤر للعدوى.

وهنا تكمن إحدى أبرز النقاط التي تفرض نفسها بعد الإعلان الأخير للوزارة.

منطق التدخل بعد ظهور الحالات إلى الوقاية قبل ظهورها

وزارة الصحة أعلنت تفعيل بروتوكول الاستجابة الوبائية، وهو إجراء يدخل ضمن التدبير الصحي المعتاد لمثل هذه الحالات، ويشمل البحث عن الحالات والمخالطين وتوفير العلاج الوقائي والتلقيح وفق البروتوكول المعتمد. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كانت منظومة الرصد قادرة على اكتشاف الفئات غير المستفيدة من التلقيح بصورة منتظمة، وليس فقط التحرك بعد ظهور أعراض المرض أو تسجيل إصابات.

ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة لأن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الدفتيريا مرض يمكن الوقاية منه باللقاح، وأن الأشخاص غير الملقحين أو الذين لم يستكملوا جرعاتهم يظلون معرضين للإصابة، كما أن استمرار التغطية المرتفعة بالتلقيح يمثل الوسيلة الأساسية لمنع عودة المرض وانتشاره.

وبالتالي فإن ظهور حالات جديدة بالمغرب، بعد سنوات طويلة من غياب الدفتيريا، لا يعني في حد ذاته انهيار منظومة التلقيح، لكنه يكشف عن وجود فجوات على مستوى بعض الفئات، وهي فجوات تحتاج إلى تحديد أسبابها بدقة: هل ترتبط بعدم الوصول إلى الخدمات الصحية، أم بانقطاع متابعة الأطفال، أم بالتردد تجاه اللقاحات، أم بعوامل اجتماعية ومجالية، أم بضعف تتبع الجرعات غير المستكملة؟

هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بمجرد البلاغ الوزاري، وإنما تحتاج إلى معطيات ميدانية مفصلة وشفافة حول أعمار الحالات ومناطق إقامتها ومسارات تلقيحها والأسباب التي حالت دون استكمال الحماية.

الدفتيريا ليست الحالة الوحيدة

وتأتي عودة الدفتيريا في وقت يعرف فيه العالم عموماً تحديات متواصلة في مجال التلقيح، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية واليونيسف أن 85 في المائة من الأطفال في العالم تلقوا الجرعات الثلاث للقاح الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي خلال سنة 2025، بينما ظل ملايين الأطفال دون تلقيح كامل. كما أكدت منظمة الصحة العالمية أن تراجع التغطية أو وجود فجوات مناعية يمكن أن يؤدي إلى عودة أمراض كانت تحت السيطرة.

كما أن الدفتيريا ليست الفيروس الذي ينبغي النظر إليه بمعزل عن بقية المخاطر الوبائية؛ فالمرض نفسه تسببه بكتيريا وليس فيروساً، بينما تشمل قائمة الأمراض المعدية الأخرى التي تتطلب يقظة مستمرة أمراضاً فيروسية مثل الحصبة وشلل الأطفال وبعض الأمراض التنفسية، إلى جانب أمراض بكتيرية يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وتكشف تجربة المغرب خلال السنوات الأخيرة أن منظومة التلقيح تواجه في الوقت نفسه تحدي المحافظة على المكتسبات القديمة ومواجهة بؤر التراجع أو الانقطاع في التلقيح. فقد دعمت اليونيسف في 2025 المغرب في توفير ملايين جرعات اللقاحات، كما دعمت الحملة الوطنية الاستدراكية ضد الحصبة، إلى جانب جهود مرتبطة بسلسلة التبريد وتكوين مهنيي الصحة وتقوية القدرات المخبرية.

وهذه المعطيات مهمة لأنها تجعل النقاش أكثر تعقيداً من القول إن المغرب لا يتوفر على استراتيجية وطنية للتلقيح. فهناك برنامج قائم، وتمويل وتزويد وتكوين وحملات استدراكية، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في معرفة مدى انتظام التنفيذ على المستوى المحلي، ومدى القدرة على الوصول إلى كل طفل، خصوصاً في المناطق النائية أو الهشة اجتماعياً.

الوزارة أمام اختبار جديد

بلاغ وزارة الصحة جاء في مرحلة انتقالية بالنسبة إلى تدبير القطاع، في انتظار تشكيل الحكومة الجديدة وتعيين المسؤول الحكومي الذي سيتولى حقيبة الصحة خلال المرحلة المقبلة. غير أن ملف التلقيح والأمراض المعدية لا ينتظر اكتمال الترتيبات السياسية، لأن المعطيات الميدانية تفرض على الإدارة الصحية مواصلة التدخل العاجل وتتبع الحالات والمخالطين وضمان استمرار الخدمات الأساسية.

ومن ثم، فإن المسؤولية في هذه المرحلة لا تتعلق فقط بالوزير المقبل، وإنما باستمرارية الإدارة الصحية والمنظومة الوطنية للرصد والتلقيح ومصالح الصحة الجهوية والترابية، باعتبارها أجهزة يفترض أن تواصل العمل بصرف النظر عن التغيير الحكومي.

وسيكون التحدي أمام المسؤول الحكومي المقبل هو الانتقال من منطق التعامل مع الحالات بعد ظهورها إلى تعزيز الوقاية الاستباقية، من خلال تحسين أنظمة المعلومات المتعلقة بالتلقيح، وإحداث آليات أكثر دقة لتحديد الأطفال الذين لم يستكملوا جرعاتهم، وتعزيز حملات الاستدراك، وتقوية التواصل الصحي المبني على المعطيات العلمية.

سؤال الثقة والشفافية

كما تطرح الواقعة سؤالاً آخر يتعلق بطريقة التواصل مع المواطنين. فالإعلان عن بؤرة وبائية مع تقديم أرقام دقيقة حول الحالات والوفيات خطوة ضرورية، لكن الوقاية لا تتوقف عند إصدار البلاغات، وإنما تحتاج إلى معلومات واضحة حول حجم الخطر، والمناطق المعنية، والإجراءات المتخذة، ومتى يمكن اعتبار البؤرة تحت السيطرة.

وفي المقابل، ينبغي تفادي تحويل كل حالة معدية إلى مصدر للهلع، خصوصاً أن المعطيات الحالية تتحدث عن بؤرتين عائليتين محدودتين وليس عن انتشار وطني واسع للدفتيريا. ولذلك فإن المطلوب هو الجمع بين الشفافية والطمأنة المبنية على المعطيات، مع عدم التقليل من أهمية حالتي الوفاة أو من ضرورة معرفة أسباب عدم تلقي الأطفال المعنيين للحماية اللقاحية الكاملة.

إن عودة الدفتيريا إلى الواجهة بعد سنوات طويلة من غياب الحالات المؤكدة تشكل قبل كل شيء إنذاراً صحياً يستوجب التحقق من حجم الفجوات المناعية، وليس حكماً نهائياً على منظومة التلقيح الوطنية. فالبيانات المتاحة تؤكد أن المغرب حقق مكاسب كبيرة في هذا المجال، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن استمرار هذه المكاسب يتطلب يقظة دائمة، وتغطية عادلة، وتتبعاً فردياً للأطفال، واستجابة سريعة لأي تراجع في التلقيح.

ويبقى الاختبار الحقيقي للمنظومة الصحية في قدرتها على منع الحالات الجديدة، وليس فقط على التدخل بعد ظهورها؛ وعلى ضمان ألا تتحول حالات عدم استكمال التلقيح، مهما كانت محدودة جغرافياً أو عددياً، إلى ثغرة تسمح بعودة أمراض سبق للمغرب أن نجح في السيطرة عليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى