قضايا

العمدة البقالي يعود إلى غرفة الجنايات.. محاكمة جديدة تعيد ملف جماعة فاس إلى الواجهة بعد نقض حكم الستة أشهر

عاد ملف عمدة فاس عبد السلام البقالي إلى الواجهة القضائية من جديد، بعدما حددت غرفة الجنايات الاستئنافية بعد النقض بمحكمة الاستئناف بفاس يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 موعدا لانطلاق إعادة محاكمته، إلى جانب سفيان الإدريسي، الكاتب السابق لمجلس جماعة فاس، وذلك في مرحلة قضائية جديدة تأتي بعد قرار محكمة النقض القاضي بنقض الحكم الاستئنافي السابق وإحالة الملف من جديد على هيئة قضائية مغايرة.

والمثير في عودة هذا الملف إلى الواجهة أن الأمر لا يتعلق بإعادة فتح قضية انتهت قضائيا، وإنما بملف عاد إلى نقطة المحاكمة من جديد بعدما قبلت محكمة النقض الطعن الذي تقدم به دفاع البقالي والإدريسي، ونقضت القرار السابق الذي كان قد قضى بإدانتهما بستة أشهر حبسا نافذا لكل واحد منهما.

وتكشف الوثيقة المتداولة بشأن الجلسة المقبلة، والتي يظهر عليها ختم الوكيل العام للملك، أن البقالي يواجه في هذا الجزء من الملف تهمة عدم التبليغ عن وقوع جناية، فيما يتابع سفيان الإدريسي من أجل استغلال النفوذ. كما تتضمن الوثيقة أسماء متهمين آخرين وتهمًا أخرى، من بينها تبديد أموال عمومية والتزوير في محرر عرفي وإفشاء السر المهني وصنع شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة، وهي تهم مرتبطة بمتهمين آخرين في الملف ولا يصح نسبتها إلى البقالي أو الإدريسي دون سند قضائي.

وتكتسب هذه العودة القضائية ثقلا خاصا بالنسبة إلى عمدة فاس، لأن المسار السابق للملف حمل تطورا لافتا؛ ففي فبراير 2024 انتهت المرحلة الابتدائية ببراءة عبد السلام البقالي وسفيان الإدريسي، بينما صدرت أحكام بالإدانة في حق عدد من المتابعين الآخرين، من بينهم عبد القادر البوصيري، النائب السابق لعمدة فاس والبرلماني الاتحادي السابق.

لكن المشهد تغير في يونيو من السنة نفسها، عندما ألغت غرفة الجنايات الاستئنافية المكلفة بالبت في جرائم الأموال حكم البراءة، وأدانت البقالي والإدريسي بستة أشهر حبسا نافذا لكل واحد منهما، في الوقت الذي رفعت فيه العقوبة الصادرة في حق عبد القادر البوصيري إلى ثماني سنوات سجنا نافذا.

غير أن ذلك الحكم لم يصبح نهائيا، بعدما لجأ دفاع المتهمين إلى محكمة النقض، التي قضت في 15 أبريل 2026 بقبول الطعن بالنقض ونقض وإبطال القرار المطعون فيه، مع إحالة الملف على محكمة الاستئناف بفاس للبت فيه من طرف هيئة قضائية أخرى. وبذلك فإن الحكم السابق بستة أشهر لم يعد هو الكلمة القضائية الأخيرة في الملف، وأصبح على الهيئة الجديدة إعادة النظر في القضية وفق ما يقتضيه قرار النقض.

وهنا تكمن أهمية جلسة 19 أكتوبر المقبلة: فالبقالي لن يدخلها باعتباره محكوما عليه نهائيا، وإنما باعتباره متابعا في ملف أعيد إلى المحكمة بعد نقض الحكم السابق. وهذه نقطة أساسية في قضية أثارت اهتماما واسعا داخل مدينة فاس، خصوصا أن الأمر يتعلق برئيس مجلس جماعة العاصمة العلمية، وبملف ارتبط منذ بدايته بشبهات فساد مالي وإداري داخل الجماعة.

القضية الأصلية تفجرت في سياق التحقيقات التي طالت عبد القادر البوصيري، النائب السابق لرئيس جماعة فاس، وعددا من المنتخبين والموظفين والمقاولين، حيث كانت النيابة العامة قد قررت في أكتوبر 2023 متابعة البوصيري وعدد من المتهمين في حالة اعتقال على خلفية أفعال مرتبطة بالفساد المالي والإداري. وفي المقابل، تمت متابعة البقالي في حالة سراح على خلفية عدم التبليغ عن جناية، فيما تمت متابعة الإدريسي في حالة سراح بتهمة استغلال النفوذ.

واللافت أن الملف عرف منذ بدايته مسارات قضائية متباينة؛ من البراءة إلى الإدانة، ثم إلى النقض وإعادة المحاكمة، وهو ما يجعل جلسة أكتوبر محطة جديدة لا يمكن استباق نتيجتها، خصوصا أن الهيئة القضائية الجديدة ستعيد النظر في الملف بعد قرار محكمة النقض.

أما بالنسبة إلى سفيان الإدريسي، فإن عودته إلى المحكمة تأتي أيضا بعد مسار سياسي وجماعي متوتر، إذ سبق أن قدم استقالته من عضوية مجلس جماعة فاس عقب الحكم الاستئنافي الصادر في يونيو 2024، بعدما كان يشغل منصب كاتب المجلس.

وبالنسبة إلى البقالي، فإن القضية تضع رئاسة جماعة فاس مرة أخرى تحت المجهر، ليس بسبب صدور حكم نهائي جديد، وإنما لأن العمدة سيجد نفسه أمام محاكمة جديدة في ملف سبق أن أدين فيه استئنافيا قبل أن تنقض محكمة النقض ذلك الحكم.

وهذه النقطة تحديدا تجعل جلسة 19 أكتوبر مختلفة عن سابقاتها؛ فالمحكمة لن تكون أمام مجرد استمرار آلي للحكم السابق، وإنما أمام ملف أعيد إليها بقرار من محكمة النقض، مع هيئة قضائية مغايرة، ما يعني أن مآله سيظل مفتوحا على ما ستنتهي إليه المناقشات والدفوع والوثائق المعروضة أمام القضاء.

وفي انتظار ذلك، يبقى الثابت قانونا أن البقالي والإدريسي يستفيدان من قرينة البراءة، وأن الحكم السابق بستة أشهر حبسا نافذا تم نقضه وإبطاله، وأن المحاكمة الجديدة لم تبدأ بعد. أما ما سيحدث داخل قاعة الجلسات يوم 19 أكتوبر، فسيكون رهينا بما ستقرره الهيئة القضائية بعد إعادة مناقشة الملف.

وبذلك تعود قضية جماعة فاس، بكل ثقلها السياسي والقضائي، إلى واجهة الأحداث من جديد، وهذه المرة من بوابة محاكمة جديدة لرئيس الجماعة الذي سبق أن انتقل وضعه القضائي من البراءة إلى الإدانة ثم إلى النقض، في مسار لم يصل بعد إلى نهايته القضائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى